وَيُعَقِّبُ الْمُؤَلِّفُ فَهُوَ يُعْلِنُ أَنَّ مَعْنَىٰ الْقَضَاءِ: هُوَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ، وَأَنَّ مَعْنَىٰ الْقَدَرِ: هُوَ التَّمْكِينُ وَإِعْطَاءُ الْقُدْرَةِ عَلَىٰ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ مَعًا، بَعْدَ تَعْرِيفِ الْعِبَادِ مَا لَهُمْ وَمَا عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ يُورِدُ أَيْضًا قَوْلَ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ وَأَبِي عَبْدِاللَّهِ الصَّادِقِ عَزَّ عِزُّهُمَا: "أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَرْحَمُ مِنْ أَنْ يُجْبِرَ خَلْقَهُ عَلَىٰ الذُّنُوبِ ثُمَّ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا، وَاللَّهُ أَعَزُّ مِنْ أَنْ يُرِيدَ أَمْرًا فَلَا يَكُونَ"، فَسُئِلَا عَزَّ عِزُّهُمَا: "هَلْ بَيْنَ الْجَبْرِ وَالتَّفْوِيضِ مَنْزِلَةٌ ثَالِثَةٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ أَوْسَعُ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ".
ثُمَّ يُورِدُ مَا ضَرَبَهُ الْإِمَامُ الصَّادِقُ عَزَّ عِزُّهُ مَثَلًا عَلَىٰ أَفْعَالِ الْعِبَادِ تَقْرِيبًا لِلْأَفْهَامِ وَتَوْضِيحًا لِمَعْنَىٰ أَنَّ "لَا جَبْرَ وَلَا تَفْوِيضَ وَإِنَّمَا أَمْرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ"، وَقَدْ قِيلَ لَهُ: مَا أَمْرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ؟ فَقَالَ عَزَّ عِزُّهُ: "ذَلِكَ مَثَلُ رَجُلٍ رَأَيْتَهُ عَلَىٰ مَعْصِيَةٍ فَنَهَيْتَهُ، فَلَمْ يَنْتَهِ فَتَرَكْتَهُ، فَفَعَلَ تِلْكَ الْمَعْصِيَةَ، فَلَيْسَ حَيْثُ لَمْ يَقْبَلْ مِنْكَ، فَتَرَكْتَهُ كُنْتَ أَنْتَ الَّذِي أَمَرْتَهُ بِالْمَعْصِيَةِ".
إِلَىٰ أَنْ يَقُولَ الْمُؤَلِّفُ قَدَّسَهُ اللَّهُ: وَإِذَا كَانَ سُبْحَانَهُ خَيَّرَ خَلْقَهُ فِيمَا يَفْعَلُونَ أَوْ يَدَعُونَ بَعْدَ أَنْ أَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ فَلَا يَعْنِي ذَلِكَ وَهْنٌ فِي قُدْرَتِهِ تَعَالَىٰ عَلَيْهِمْ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، كَمَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ إِهْمَالًا يُطْلِقُهُمْ مِنْ قَيْدِ مَسْؤُولِيَّتِهِمْ لَدَيْهِ، ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾، بَلْ تِلْكَ حِكْمَةُ اللَّهِ تَعَالَىٰ فِي تَنْفِيذِ مَشِيئَتِهِ فِي خَلْقِهِ.




