ثُمَّ يَقُولُ الْمُؤَلِّفُ وَلَكُمْ ذَكَرَ الْمُتَكَلِّمُونَ لِلْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ مِنْ مَعَانٍ تَعُودُ بِمَنْ تَحَقَّقَهَا إِلَىٰ مَعْنَيَيْنِ رَئِيسِيَّيْنِ:
الْأَوَّلُ: كَوْنُ الْإِنْسَانِ مُسَيَّرًا غَيْرَ مُخَيَّرٍ: بِمَعْنَىٰ أَنَّ أَعْمَالَهُ كَحَيَاتِهِ وَلَوْنِهِ وَطُولِهِ وَقِصَرِهِ لَا إِرَادَةَ لَهُ فِيهَا وَلَا مَحِيدَ لَهُ عَنْهَا كُلُّهَا مِنَ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا.
الثَّانِي: أَنَّ الْقَضَاءَ وَالْقَدَرَ بِمَعْنَىٰ الْأَمْرِ وَالْحُكْمِ كَمَا يَبْدُو وَاضِحًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَىٰ: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ أَيْ أَمَرَ، وَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَىٰ: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ أَيْ يَحْكُمُ بِهِ.
فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ بَيِّنٌ بَيَانَ الْفَرْقِ بَيْنَ إِرَادَةِ اللَّهِ التَّكْوِينِيَّةِ الْمُعَبَّرِ عَنْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَىٰ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾، وَبَيْنَ إِرَادَتِهِ التَّشْرِيعِيَّةِ الْمُمَثَّلَةِ «بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ» كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَىٰ: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾، ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، الْعَقْلُ وَالنَّقْلُ: يَقْطَعَانِ بِاسْتِحَالَةِ الْمَعْنَىٰ الْأَوَّلِ.
أَمَّا عَقْلًا: فَلِأَنَّ الظُّلْمَ وَالْفَسَادَ لَا يَكُونَانِ إِلَّا مِنْ ظَالِمٍ مُفْسِدٍ، وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ قَبِيحٍ.




