جَاءَ فِي الْأُصَيْفِرِ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ شُعْبَةَ الْحَرَّانِيِّ قَدَّسَهُ اللَّهُ: فَالْعَالِمُ الْعَارِفُ بِاللَّهِ: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَا وَضْعٍ صَحِيحٍ، لِتَحْصُلَ لَهُ الْمُوَاجَهَةُ، وَتَكْمُلَ لَهُ الْمُنَاسَبَةُ، وَيَتَحَرَّكَ بِالْحَرَكَاتِ الشَّوْقِيَّةِ، لِيُمْكِنَهُ قَبُولُ الْفَيْضِ، وَاكْتِسَابُ الْإِشْرَاقَاتِ الْأَنْوَارِ، وَبَوَارِقِ الْجُودِ، وَسَوَابِغِ الرَّحْمَةِ مِنْ جِهَةِ الْمُبْدِئِ الْأَوَّلِ الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ، ثُمَّ هَدَىٰ فَتَحْصُلُ لِلْمُسْتَعِدِّ لِقَبُولِ الْفَيْضِ بَسَاطَةٌ فِي ذَاتِهِ، تَجَرُّدٌ عَنْ كَثَافَتِهِ وَهُوَ فِي عَالَمِهِ، وَيَصِيرُ نُورًا مُتَّصِلًا بِيَنْبُوعِ الْأَنْوَارِ آخِذًا مِنَ الْقُوَىٰ الْعَالِيَةِ بِمِقْدَارِ قِسْطِهِ، وَاسْتِعْدَادِهِ لِمُلَاحَظَةِ حَضْرَةِ الْجَلَالِ وَالْجَبَرُوتِ وَالْكَمَالِ، إِلَىٰ قَوْلِهِ: فَيَكُونُ سَبَبًا لِلْهِدَايَةِ، وَطَرِيقًا لِلرُّشْدِ، وَمَعْدِنًا لِلْقَصْدِ، وَمَكَانًا لِلتَّوَسُّمِ، وَيَتَسَمَّىٰ بِاسْمِ أَهْلِ الْأَعْرَافِ، وَيُكْتَبُ مِنْ أَهْلِ الذِّكْرِ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَأَقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾(1).
وَجَاءَ فِيهِ وَلَمَّا كَانَ الْإِنْسَانُ فِي أَسْرِ الطَّبِيعَةِ وَقَيْدِ الشَّهْوَةِ كَالْغَرِيقِ: احْتَاجَ إِلَىٰ الْعِبَادَةِ وَالْعَمَلِ لِتَحْصُلَ لَهُ السَّعَادَةُ، وَإِنَّ الْإِنْسَانَ يَمِيلُ بِالطَّبْعِ إِلَىٰ قُوَىٰ الْبَدَنِ فَكَأَنَّهُ مُنْجَذِبٌ إِلَىٰ الْقُوَىٰ الشَّهْوَانِيَّةِ وَالْمَيْلِ مَعَ دَوَاعِي الْأَهْوَاءِ، وَتِلْكَ: مُشْغِلَةٌ عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ عَائِقَةٌ لَهُ عَنْ نَيْلِ السَّعَادَةِ، مُدْعَاةٌ إِلَىٰ قُبْحِ الْأَعْمَالِ الْمُوجِبَةِ لِلْعَذَابِ الدَّائِمِ، وَمَتَىٰ انْجَذَبَتْ إِلَىٰ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ اسْتَحَقَّتْ مِنَ اللَّهِ الْكَرَامَةَ وَجَاءَتْهَا الْبُشْرَىٰ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَىٰ: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾(2).




