"فَالذَّاتُ: هِيَ العَيْنُ وَالنَّفْسُ": يَعْنِي يَا مُجِيبَ نَفْسِهِ بِنَفْسِهِ، كَسُؤَالِهِ تَعَالَىٰ: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ وَإِجَابَتِهِ ذَاتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾، وَمِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَىٰ: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾، وَمِثْلُ مَا وَرَدَ سَابِقًا: "إِنَّ الأَزَلَ سَبَّحَ ذَاتَهُ وَكَبَّرَهَا وَمَجَّدَهَا، " فَتَسْبِيحُهُ تَعَالَىٰ لِذَاتِهِ وَتَكْبِيرُهُ لَهَا، كَقَوْلِنَا: "يَا مُجِيبَ ذَاتِهِ بِذَاتِهِ".
وَقَوْلُهُ: "يَا مُخَاطِبًا مَعْنَاهُ بِاسْمِهِ وَصِفَاتِهِ"، فَلَفْظَةُ "مَعْنَاهُ" هُنَا: أَيْ ذَاتُهُ، وَإِذَا قُلْنَا: "يَا مُخَاطَبَةً ذَاتُهُ" بِفَتْحِ الطَّاءِ، يَكُونُ مَعْنَاهَا: يَا مَنْ خَاطَبَهُ عِبَادُهُ بِاسْمِهِ وَصِفَاتِهِ، كَقَوْلِ الَّذِينَ يَدْعُونَهُ مِنْ خَلْقِهِ: "يَا اللَّهُ، يَا رَحْمَنُ، يَا رَحِيمُ، يَا رَزَّاقُ، الخ".
يَعْنِي أَنَّ البَارِيَ سُبْحَانَهُ، يَدْعُوهُ عِبَادُهُ، وَيُخَاطِبُونَ مَعْنَاهُ أَيْ ذَاتَهُ بِاسْمِهِ الأَعْظَمِ، وَبِصِفَاتِهِ العُلْيَا الَّتِي هِيَ الأَسْمَاءُ الحُسْنَىٰ، فَإِنَّ "الرَّحْمَنَ وَالرَّحِيمَ صِفَتُهُمَا: الرَّحْمَةُ"، "وَالرَّؤُوفَ: صِفَتُهُ الرَّأْفَةُ".
إِلَىٰ قَوْلِهِ: وَوَجْهٌ ثَانٍ بِكَسْرِ الطَّاءِ "يَا مُخَاطِبًا مَعْنَاهُ بِاسْمِهِ وَصِفَاتِهِ": أَيْ يَا مُكَلِّمَ ذَاتِهِ بِاسْمِهِ وَصِفَاتِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَىٰ: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ﴾، وَإِجَابَتُهُ ذَاتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾، فَيَكُونُ خَاطَبَ ذَاتَهُ بِاسْمِهِ الوَاحِدِ، وَفِي شَرْحِهِ لِلَفْظَةِ "يَا كُلُّ" يَقُولُ: أَشَارَ بِالكُلِّ هُنَا: إِلَىٰ مَظَاهِرِ المَعْنَىٰ بِالحَالَيْنِ نُورًا وَظِلًّا، أَيْ أَنَّ السَّبْعَةَ ظُهُورَاتٍ الظِّلِّيَّةَ مِنَ الهَاءِ إِلَىٰ العَيْنِ كُلُّهَا لِلْمَعْنَىٰ سُبْحَانَهُ، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ يُعَرَّفَ "الكُلُّ": بِأَنَّهُ الَّذِي لَا يَنْقَسِمُ، يَعْنِي أَنَّ البَارِيَ جُزْءٌ أَصَمُّ لَا يَتَجَزَّأُ، الخ كَلَامِهِ قَدَّسَهُ اللَّهُ.




