"فَهَلْ تَسْمَحُ بِنَظْرَةٍ وَاسِعَةٍ إِلَىٰ هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ عَلَىٰ ضَوْءِ عَقْلِكَ وَعِلْمِكَ الْغَزِيرِ لِتَرَىٰ أَنَّ الْأُولَىٰ هِيَ الْأَصْلُ الثَّابِتُ الصَّحِيحُ الَّذِي فَاضَتْ بِهِ كُتُبُ التَّوْحِيدِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا نَقْلًا عَنْ أُصُولِ شَيْخِهِمْ، وَهَلْ فَرْقٌ بَيْنَ نُورِهِ وَنُورِ ذَاتِهِ حَتَّىٰ قَالَ لَهُ: "بَلْ مِنْ نُورِ ذَاتِهِ" إِلَّا التَّشْدِيدَ الشَّدِيدَ لِنَقْلِ أُصُولِهِمْ كَمَا وَضَعُوهَا بِدُونِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ؟ وَأَنَّ الثَّانِيَةَ: تُخَالِفُ فِي ظَاهِرِهَا هَذَا الْأَصْلَ، وَهِيَ مِمَّا يَجِبُ رَدُّهُ إِلَيْهِ... أَلْقِ سَمْعَكَ الْكَرِيمَ لِأَعْرِضَ عَلَيْكَ وَجْهَ الْمُوَافَقَةِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، فَإِنِ الْتَقَىٰ مَعَ تَفْكِيرِكَ السَّلِيمِ، وَإِلَّا فَأَنْتَ حُرٌّ فِي قَبُولِهِ، أَوْ رَدِّهِ... إِنَّ الْأَئِمَّةَ عَزَّ عِزُّهُمْ يَعْلَمُونَ السَّائِلَ وَمَا يَدُورُ فِي فِكْرِهِ حَالَ السُّؤَالِ، وَإِنَّ الْمَوْلَىٰ لَمَّا سُئِلَ عَنْ خَلْقِ السَّيِّدِ مُحَمَّدٍ عَزَّ عِزُّهُ عَلِمَ أَنَّ السَّائِلَ إِنَّمَا يُرِيدُ بَيَانَ عِلَّةِ إِيجَادِ الِاسْمِ، فَأَجَابَ: "مِنْ نُورِ ذَاتِهِ"، وَكَرَّرَهَا لِلسَّائِلِ قَاطِعًا بِصِحَّتِهَا، وَلَمَّا سُئِلَ فِي الثَّانِيَةِ عَنِ اخْتِرَاعِ الِاسْمِ عَلِمَ أَنَّ السَّائِلَ إِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يَعْلَمَ: (هَلِ النُّورُ الْمُخْتَرَعُ مِنْهُ الِاسْمُ وَاسِطَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَعْنَاهُ، أَوْ أَقْدَمُ مِنْهُ)، أَوْ مَا إِلَىٰ ذَلِكَ مِنَ الِاحْتِمَالَاتِ، الَّتِي أَوْحَاهَا إِلَىٰ فِكْرِهِ تَرْكِيبُ الْجُمْلَةِ (مِنْ مُضَافٍ وَمُضَافٍ إِلَيْهِ) بِأَنَّ النُّورَ شَيْءٌ وَالذَّاتَ شَيْءٌ آخَرُ، فَأَجَابَهُ الْمَوْلَىٰ عَزَّ عِزُّهُ بِأَنَّهُ: "لَا مِنْ نُورِهِ، وَلَا مِنْ نُورِ نُورِهِ، وَلَا مِنْ نُورِ ذَاتِهِ"، دَفْعًا لِمَا يَدُورُ فِي خَيَالِ السَّائِلِ، وَمَا يَنْتُجُ عَنْ ذَلِكَ مِنِ اعْتِرَاضَاتٍ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ، وَقَطْعًا لِحُجَّتِهِ، فِيمَا لَوْ قَالَ لَهُ: "مِنْ نُورِ ذَاتِهِ"، لَقَالَ لَهُ: هَلْ نُورُ الذَّاتِ وُجُودٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الِاسْمِ؟، فَأَجَابَهُ بِمَا لَمْ يَدَعْ مَجَالًا لِلِاعْتِرَاضِ، مُوَضِّحًا أَنَّ النُّورَ الْمُخْتَرَعَ مِنْهُ الِاسْمُ: هُوَ الذَّاتُ بِقَوْلِهِ: "أَنْ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فَرْقٌ وَلَا فَاصِلَةٌ"، وَأَكَّدَ عَدَمَ تَبْعِيضِ الذَّاتِ بِاخْتِرَاعِ الِاسْمِ مِنْهَا بِقَوْلِهِ: "إِذَا أَقْبَلَ عَلَيْكَ رَجُلٌ فَتَقُولُ لَهُ: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟... (الرِّوَايَةَ بِتَمَامِهَا)" وَهَذَا يَرُدُّ الْمُتَشَابِهَ إِلَىٰ الْمُحْكَمِ، فَهَذَا الْجَوَابُ هُوَ نَفْسُ قَوْلِهِمْ: "اخْتَرَعَهُ مِنْ نُورِ ذَاتِهِ"، وَلَيْسَتِ الذَّاتُ غَيْرَ نُورِهَا، وَلَا يَجُوزُ ضَرْبُ أَقْوَالِهِمْ بِبَعْضِهَا، إِذْ هِيَ كَالْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَفِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ: "مَا ضَرَبَ رَجُلٌ الْقُرْآنَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ إِلَّا كَفَرَ".




