صِنْفٌ يَكِلُ أَمْرَهُ إِلَىٰ نَفْسِهِ وَيُؤْمِنُ بِاسْتِغْنَائِهِ عَنْ كُلِّ عَوْنٍ، مِنْ قُدْرَةٍ إِلَٰهِيَّةٍ أَوْ رَحْمَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، قَانُونُهُ: هَوَاهُ... مُتَكَبِّرٌ وَمُدَّعٍ، وَنَظْرَتُهُ تَنْبُعُ مِنَ الشِّبْرِ الْأَوَّلِ.
صِنْفٌ يَجْرِي وَرَاءَ أَمَلِهِ، لَكِنَّهُ يُحِسُّ رَقِيبًا عَلَىٰ عَمَلِهِ، مُقَسَّمٌ بَيْنَ أَنِيَّتِهِ وَبَيْنَ التَّفْوِيضِ إِلَىٰ مَا فَوْقَهُ... مَرَّةً يَعْتَزُّ بِسُلْطَانِهِ، وَثَانِيَةً يَعْتَرِفُ بِافْتِقَارِهِ، إِنَّهُ عَلَىٰ سَبِيلِ النَّجَاةِ، وَنَظْرَتُهُ تَنْبُعُ مِنَ الشِّبْرِ الثَّانِي.
وَصِنْفٌ بَاشَرُوا رَوْحَ الْيَقِينِ وَاسْتَيْقَنُوا مِنْ سَيْرِهِمْ عَلَىٰ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ.. لَا يَرَوْنَ مُنْكَرًا إِلَّا أَنْكَرُوهُ، وَلَا مَعْرُوفًا إِلَّا عَرَفُوهُ، إِدْرَاكُهُمْ شَامِلٌ، وَقَوْلُهُمْ سَدِيدٌ.. فَنَظْرَتُهُمْ تَنْبُعُ مِنَ الشِّبْرِ الثَّالِثِ... وَبِأَهْلِهِ قِيَامُ كُلِّ أَمْرٍ مَهْمَا قَلُّوا وَمَهْمَا اسْتَقَلُّوا وَإِنَّا إِذَا افْتَقَدْنَا أَشْخَاصَهُمْ فَإِنَّا سَنَعْرِفُهُمْ مِنْ كُلِّ مَا يَجْرِي فِي عُرُوقِ الْإِنْسَانِيَّةِ مِنْ عِرْفَانٍ وَخَيْرٍ وَصَلَاحٍ....".
التَّلَازُمُ بَيْنَ بَقَائِنَا وَاتِّبَاعِ أَوَامِرِ الْبَارِي:
بَعْدَ أَنْ يُورِدَ الدُّكْتُورُ عَلِيٌّ سُلَيْمَانُ قَدَّسَهُ اللَّهُ: "دَعْوَةَ نُوحٍ لِابْنِهِ أَنْ يَرْكَبَ مَعَهُ فِي السَّفِينَةِ لِيَنْجُوَ مِنَ الْغَرَقِ، وَرَفَضَ ابْنُهُ مُكْتَفِيًا بِسُلْطَانِ عَقْلِهِ لِيَنْجُوَ قَائِلًا: ﴿سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ...﴾، وَهَذَا مَنْطِقٌ عَقْلَانِيٌّ صَحِيحٌ، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ كَافٍ.... ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾"، يَقُولُ الدُّكْتُورُ: "فَكَانَ فِي ذَلِكَ أَجْلَىٰ بَيَانٍ وَآكَدُ دَلِيلٍ عَلَىٰ: التَّلَازُمِ بَيْنَ بَقَائِنَا وَاتِّبَاعِ أَوَامِرِ الْبَارِي وَالْخُضُوعِ لِمَشِيئَتِهِ، وَإِلَّا فَغَوْصٌ فِي ظُلُمَاتِ الْفَنَاءِ، كَمَا غَاصَ ابْنُ نُوحٍ فِي ظُلُمَاتِ الْمَاءِ".




