كَلَامٌ عَنِ الْهَبْطَةِ:
جَاءَ فِي جَوَابِ "الْعِمَادِ الْغَسَّانِيِّ" قَدَّسَهُ اللَّهُ فِي رِسَالَتِهِ عَنِ السُّؤَالِ: "أَبِالِاخْتِيَارِ هَبَطَتْ هَذِهِ النُّفُوسُ مِنَ الْعُلُوِّ إِلَىٰ الْأَسْفَلِ؟".
قَوْلُهُ قَدَّسَهُ اللَّهُ: "لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ النُّفُوسُ -عَلَىٰ الْإِطْلَاقِ- هَبَطَتْ بِالِاخْتِيَارِ إِلَىٰ عَالَمِ الْكَوْنِ وَالْفَسَادِ وَمُلَابَسَةِ هَذِهِ الْأَجْسَادِ الَّتِي هِيَ كَالسَّلَاسِلِ وَالْأَصْفَادِ، وَكَيْفَ يَجُوزُ فِي حُكْمِ الْعُقُولِ -أَنْ تَخْتَارَ أَسْفَلَ سَافِلِينَ عَلَىٰ أَعْلَىٰ عِلِّيِّينَ وَتُؤْثِرَ عَلَىٰ مُصَاحَبَةِ الْأَبْرَارِ وَمُعَاشَرَةِ الْأَخْيَارِ وَسَكَنَىٰ دَارِ الْقَرَارِ، التَّعَلُّلَ بِشَوَائِبِ هَذِهِ الدَّارِ، وَحُلُولَ دَارِ الْبَوَارِ، وَالسُّلُوكَ فِي دَرَكِ النَّارِ، سِجِّينَ مَحَلِّ الْفُجَّارِ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ نَقُولَ: إِنَّ الطَّائِرَ يَخْتَارُ عَلَىٰ مَسْرَحِهِ فِي الْجِنَانِ وَالْعِرَاصِ سِجْنَهُ فِي الْأَقْفَاصِ، وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ...، إِلَىٰ أَنْ يَقُولَ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُبُوطُهَا لِتُكْمِلَ بِهَا مَا كَانَ نَاقِصًا مِنَ الْمَعْقُولَاتِ الْأَرْضِيَّةِ وَالْمَعْلُولَاتِ الْبَدَنِيَّةِ: فَتَكُونَ غَايَتُهَا أَنْ تُكْمِلَ بِهَا مَا هُوَ أَدْنَىٰ مِنْهَا، وَلَوْ عَكَسَ الشَّيْخُ فَقَالَ: (لِتَتَكَمَّلَ هِيَ بِالْمَحْسُوسِ وَالْمَعْقُولِ، وَتَتَّضِحَ لَهَا الْعِلَّةُ مِنَ الْمَعْلُولِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ اعْتِرَاضٌ فِيمَا يَقُولُ)...".
وَيَقُولُ أَفْلَاطُونُ: "عِلَّةُ هُبُوطِ النَّفْسِ إِلَىٰ هَذَا الْعَالَمِ: سُقُوطُ رِيشِهَا، فَإِذَا ارْتَاشَتِ ارْتَقَتْ إِلَىٰ عَالَمِهَا الْأَوَّلِ".




