وَقَوْلُهُمْ: ﴿أَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾، فَإِنَّ الْمَعْنَىٰ عَزَّ عِزُّهُ لَمَّا تَجَلَّىٰ لِلْعَالَمِ وَقَالَ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ﴾، فَكَانَتْ هَذِهِ الْحَيَاةَ، لَوْ ثَبَتُوا عَلَيْهَا لَكَانُوا أَحْيَاءً بِالْإِيمَانِ أَبَدَ الدَّهْرِ، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوهَا بِإِخْلَاصٍ بَلْ قَالُوهَا -كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ- كُرْهًا فَمَاتُوا بِإِنْكَارِهِمْ، فَإِذَا كَانَ عِنْدَ نَقْلَتِهِمْ: لَا بُدَّ أَنْ يُشَاهِدُوا الْمَوْلَىٰ عَزَّ عِزُّهُ، فَهَذِهِ الْحَيَاةُ الثَّانِيَةُ... لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ أَنْ يَحْضُرَهُ الْمَوْلَىٰ عَزَّ عِزُّهُ عِنْدَ نَقْلَتِهِ".
ثُمَّ يَسْتَشْهِدُ بِقَوْلِ الْمَوْلَىٰ لِلْحَارِثِ الْأَعْوَرِ الْهَمْدَانِيِّ:
يَا حَارِ هَمْدَانَ مَنْ يَمُتْ يَرَنِي | مِنْ مُؤْمِنٍ أَوْ مُنَافِقٍ قُبُلَا |
قَوْلُ الْمَكْزُونِ قَدَّسَهُ اللَّهُ:
وَعَرَفْتُ بَدْءِيَ وَالْمَعَادَ وَمَوْتَتِي | الْأُولَىٰ وَمَنْ أَفْنَاهُ مَوْتٌ ثَانِي |
وَجَاءَ فِي شَرْحِ الْعَلَّامَةِ قَدَّسَهُ اللَّهُ لِهَذَا الْبَيْتِ: "وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: "وَمَوْتَتِي الْأُولَىٰ": إِلَىٰ مَا جَاءَ فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَىٰ﴾، بِخِلَافِ الْكَافِرِينَ الَّذِينَ يَذُوقُونَ الْمَوْتَ الثَّانِيَ الْأَبَدِيَّ: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ﴾، وَالْمَوْتَةُ الْأُولَىٰ ظَاهِرًا: فِي الرَّحِمِ، وَالثَّانِيَةُ: مَوْتَةُ الدُّنْيَا، وَالْمَوْتُ بِحَسَبِ الصُّورَةِ: عِبَارَةٌ عَنْ فِرَاقِ الرُّوحِ لِلْجَسَدِ، وَبِحَسَبِ الِاعْتِبَارِ: يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الشَّكِّ، لِأَنَّهُ الْمَوْتُ الَّذِي لَا حَيَاةَ بَعْدَهُ.... وَكَذَا الْحَيَاتَانِ وَالْوِلَادَتَانِ.... فَالْمَوْتَةُ الْأُولَىٰ: عِبَارَةٌ عَنِ التَّوَقُّفِ عَنِ الْإِجَابَةِ فِي الدَّعْوَةِ، وَهِيَ الْمُسَمَّاةُ بِ"الْفَتْرَةِ" عِنْدَ الْمُوَحِّدِينَ، وَالْمُؤْمِنُ بَعْدَ حَيَاتِهِ بِالْمَعْرِفَةِ لَا يَذُوقُ مَوْتَ الْإِنْكَارِ (عَيْنُ الْحَيَاةِ شَرِبْتُ مِنْهَا شَرْبَةً)، بِخِلَافِ الْكَافِرِ الَّذِي يُنْكِرُ وَيَجْحَدُ الْإِقْرَارَ فَيَذُوقُ الْمَوْتَتَيْنِ".




