تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَىٰ: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾
يُورِدُ الشَّيْخُ دَاوُودُ سُلَيْمَانُ الْخَطِيبُ قَدَّسَهُ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ فِي رِسَالَتِهِ "وَسِيلَةِ النَّجَاةِ"، وَيَقُولُ: "وَالْمُنْذِرُونَ: الْأَنْبِيَاءُ، وَالْهَادُونَ: الْأَوْصِيَاءُ، وَالدَّلِيلُ عَلَىٰ ذَلِكَ الْحَدِيثُ الشَّرِيفُ: "أَنَا الْمُنْذِرُ، وَعَلِيٌّ الْهَادِي"".
بَعْضُ مَا جَاءَ عَنِ الطِّينَتَيْنِ:
جَاءَ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ رِسَالَةِ "الْعِمَادِ الْغَسَّانِيِّ" قَدَّسَهُ اللَّهُ: "أَمَّا مَعْرِفَةُ الطِّينَتَيْنِ، أَيْ: (طِينَةِ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ)، وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِ الِاسْمَيْنِ: فَهَذَا أَمْرٌ مُسْتَنَدُهُ الْعُرْفُ اللُّغَوِيُّ وَالْقَوْلُ الْمَجَازِيُّ وَتَقَرُّبًا لِلْفَهْمِ الْخَفِيِّ، وَهُوَ كَالْمَثَلِ عِنْدَ الْعَالِمِ الدُّرِّيِّ، إِذَا كَانَ الطِّينُ -عَلَىٰ التَّحْقِيقِ- لَا يَسْتَحِقُّ حَمْدًا وَلَا ذَمًّا مِنْ حَيْثُ هُوَ طِينٌ -وَإِنَّمَا يَقَعُ عَلَيْهِ الْحَمْدُ وَالذَّمُّ بِمَا اكْتَسَبَهُ مِنْ آثَارِ النُّفُوسِ الطَّيِّبَةِ وَالْخَبِيثَةِ، فَاسْتَحَقَّ بِذَلِكَ الْحَمْدَ وَالذَّمَّ، أَلَا تَرَىٰ إِلَىٰ مَا تَسْتَلِذُّهُ النُّفُوسُ فَتَحْمَدُهُ كَالطَّيِّبِ مِنَ الْمَطْعُومِ وَالْمَشْمُومِ، وَمَا تَنْفِرُ مِنْهُ فَتَذُمُّهُ كَالدِّفْلَىٰ وَالزَّقُّومِ؟ فَثَبَتَ أَنَّ "الطِّينَتَيْنِ" يُرَادُ بِهِمَا: (النُّفُوسُ) لَا الْمَشَاهِدُ الْمَحْسُوسُ، لِيَصِلَ تَصَوُّرُهُ لِلذِّهْنِ عِنْدَ أَهْلِ كَلَالَةِ الْفَهْمِ....، إِلَىٰ قَوْلِهِ: وَإِذَا قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالطِّينَتَيْنِ (الْأَرْوَاحُ) فَنَقُولُ: إِنَّ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ خُلِقَتْ مِنَ النُّورِ فِي الْأَظِلَّةِ وَالْأَشْبَاحِ، وَأَرْوَاحُ الْكَافِرِينَ -الَّذِينَ هُمْ إِبْلِيسُ وَذُرِّيَّتُهُ- خُلِقَتْ مِنَ النَّارِ الَّتِي خَلَقَهَا اللَّهُ مِنَ الشَّرِّ.... وَلَمَّا تَبَايَنَتِ الطِّينَتَانِ وَتَقَابَلَ الْكُفْرُ وَالْإِيمَانُ، لَمْ يَكُنْ لَهُمَا بُدٌّ مِنِ اشْتِرَاعِ اسْمَيْنِ يُعْرَفَانِ بِهِمَا، فَاشْتُقَّ لَهُمَا مِنَ الِاصْطِلَاحِ اللُّغَوِيِّ اسْمَانِ: نُسَمِّي الَّذِي اخْتَصَّ بِالْإِيمَانِ مُؤْمِنًا، إِذَا كَانَ الْإِيمَانُ هُوَ التَّصْدِيقَ..... إِلَىٰ قَوْلِهِ: وَأَمَّا الْكَافِرُ فَهُوَ بَاقٍ عَلَىٰ أَصْلِهِ فِي التَّسْمِيَةِ اللُّغَوِيَّةِ، لِأَنَّ الْكُفْرَ: هُوَ تَغْطِيَةُ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ...، إِلَىٰ أَنْ يَقُولَ: فَهَذِهِ أَلْفَاظٌ مَجَازِيَّةٌ عِنْدَ الْعَارِفِ الْمُحَقِّقِ وَالْعَالِمِ الْمُدَقِّقِ، وَلَوْ كَانَتْ حَقِيقَةً لَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْأَرْوَاحُ طِينًا".




