وَيُجِيبُ الْمُؤَلِّفُ قَدَّسَهُ اللَّهُ: "اللَّهُ تَعَالَىٰ ظَاهِرٌ أَبَدًا، مَوْجُودٌ سَرْمَدًا، لَا يَحْجُبُهُ شَيْءٌ لِعِظَمِ كِبْرِيَائِهِ، فَلَوْ حَجَبَهُ شَيْءٌ كَانَ أَكْبَرَ مِنْهُ، وَذَلِكَ مَدْفُوعٌ عَقْلًا وَشَرْعًا لِأَنَّ اللَّهَ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يُقَالَ لَهُ أَكْبَرُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَمِنْ بَعْضِ صِفَاتِهِ: النُّورُ، وَهُوَ مُنَوِّرُ النُّورِ وَبِالنُّورِ يَظْهَرُ كُلُّ مَسْتُورٍ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ إِخْفَاءُ النُّورِ؟ وَإِنَّمَا خَفِيَ عَنِ الْمَحْجُوبِينَ بِعَيْنِ مَا ظَهَرَ لِلْمُشَاهِدِينَ لِشِدَّةِ ظُهُورِهِ وَإِفْرَاطِ إِشْرَاقِ نُورِهِ، وَإِنَّمَا الْمَحْجُوبُونَ هُمُ الْمُغَيَّبُونَ عَنْهُ بِذُنُوبِهِمِ الَّتِي رَانَتْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ، فَأَغْشَتْ أَبْصَارَهُمْ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَشَاهَدَتْ بَارِيَهَا"، إِلَىٰ قَوْلِهِ: "وَمِثَالُ الْمَحْجُوبِ: مِثَالُ الْخُفَّاشِ فِي الشَّمْسِ الْمُشْرِقَةِ عَلَىٰ الْآفَاقِ، وَهُوَ لِضَعْفِ بَصَرِهِ لَا يَرَاهَا"، إِلَىٰ أَنْ يَقُولَ: "فَتَوَهَّمَ الْجَاهِلُ الْغَبِيُّ أَنَّهُ تَعَالَىٰ تَسْتَحِيلُ رُؤْيَتُهُ، لَا وَاللَّهِ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ وَالْجَهْرَ لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ".
وَيَأْتِي بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
لَيْسَ فِيهِ عِلَّةٌ تَنْقُصُهُ | إِنَّمَا الْعِلَّةُ فِي الطَّرْفِ الْعَمِي |
ثُمَّ يُورِدُ قَوْلَ المَوْلَىٰ الصَّادِقِ عَزَّ عِزُّهُ لِبَعْضِ الْجَاحِدِينَ: "إِنْ عَمِيتَ فَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ"، وَلَقَدْ أَحْسَنَ مَنْ قَالَ:
مَا ضَرَّ شَمْسَ الضُّحَىٰ فِي الْأُفْقِ طَالِعَةً | أَنْ لَا يَرَىٰ نُورَهَا مَنْ لَيْسَ ذَا بَصَرِ |




