يَقُولُ الشَّيْخُ كَامِلٌ صَالِحٌ قَدَّسَهُ اللَّهُ فِي صَحَائِفِهِ: "وَأَخْطَأَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَكْزُونَ قَدَّسَهُ اللَّهُ يَعْنِي (بِالسِّرِّ السَّارِي) اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ بِقَوْلِهِ:
وَسِرُّكُمْ فِي الْكُلِّ سَارٍ وَإِنَّمَا | عَلَىٰ كُلِّ قَلْبٍ ضَلَّ عَنْ فَهْمِهِ قُفْلُ |
وَقَدْ قَالَ شَارِحُهُ الْعَلَّامَةُ قَدَّسَهُ اللَّهُ: "وَلِهَذَا وَرَدَ: (مَا لِلَّهِ سِرٌّ إِلَّا وَهُوَ عَلَىٰ أَلْسُنِ خَلْقِهِ، وَلَا لَهُ حِصْنٌ أَمْنَعُ مِنْ جَهْلِهِمْ بِهِ)، فَالسِّرُّ: يُقَالُ لِخَالِصَةِ الشَّيْءِ (أَيْ مَحْضِهِ) مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ يُخْفَىٰ وَيُضَنُّ بِهِ لِنَفَاسَتِهِ، وَأَهْلُ الْيَقِينِ يَكْتُمُونَ مَا أَرَادَ اللَّهُ لَهُمْ إِسْرَارَهُ وَكِتْمَانَهُ مِنَ الْإِقْرَارِ، لِأَنَّ الْحَرَامَ كُلَّ الْحَرَامِ إِفْشَاءُ سِرِّ الْخَاصَّةِ لِلْعَامَّةِ، فَالَّذِي يَكْتُمُهُ الْمُوَحِّدُ الْمُؤْمِنُ عَنِ الْجَاحِدِينَ مِنْ أَمْرِ مَوْلَاهُ وَوُجُودِهِ وَظُهُورِهِ وَمَعْرِفَتِهِ: هُوَ السِّرُّ الَّذِي عَلَىٰ أَلْسُنِ خَلْقِهِ، وَالَّذِي مَا لَهُ حِصْنٌ أَمْنَعُ مِنْ جَهْلِهِمْ بِهِ".
وَإِنَّنَا نَلْفِتُ نَظَرَكَ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُ إِلَىٰ تَتِمَّةِ الْبَيْتِ حَيْثُ قَالَ: (وَإِنَّمَا عَلَىٰ كُلِّ قَلْبٍ ضَلَّ عَنْ فَهْمِهِ قُفْلٌ)، فَالْفَهْمُ: يَكُونُ لِلْمَعَانِي، وَالْمَعْرِفَةُ: لِلذَّوَاتِ، فَلَوْ كَانَ الْمَكْزُونُ قَدَّسَهُ اللَّهُ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: (وَسِرُّكُمْ فِي الْكُلِّ سَارٍ) "الْمَعْنَىٰ" جَلَّ وَعَلَا، لَكَانَ قَالَ فِي الشَّطْرِ الثَّانِي: (ضَلَّ عَنْ مَعْرِفَتِهِ) وَلَمْ يَقُلْ: (ضَلَّ عَنْ فَهْمِهِ)، لِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ: بِهِ سُبْحَانَهُ، وَالْفَهْمَ: لِلْأَسْرَارِ الْبَاطِنَةِ وَالْمَعَانِي الْخَفِيَّةِ.




