مَعْنَىٰ قَوْلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَزَّ عِزُّهُ: "دَلَّتْ عَلَيْهِ أَعْلَامُ الظُّهُورِ":
جَاءَ فِي كِتَابِ "النَّافِذَةِ" لِلشَّيْخِ مُحَمَّدِ حَسَنِ شَعْبَانَ قَدَّسَهُ اللَّهُ: "وَأَنَّ الَّذِي يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَىٰ إِثْبَاتِ الصَّانِعِ: يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَجْهَيْنِ كِلَاهُمَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ (أَعْلَامُ الظُّهُورِ)، كَمَا قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَزَّ عِزُّهُ: "دَلَّتْ عَلَيْهِ أَعْلَامُ الظُّهُورِ" أَحَدُهُمَا الْوُجُودُ وَالثَّانِي الْمَوْجُودُ، أَمَّا الِاسْتِدْلَالُ عَلَيْهِ بِالْوُجُودِ نَفْسِهِ: فَهِيَ طَرِيقَةُ الْمُدَقِّقِينَ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ، فَإِنَّهُمُ اسْتَدَلُّوا عَلَىٰ أَنَّ مُسَمَّىٰ الْوُجُودِ مُشْتَرَكٌ، وَأَنَّهُ زَائِدٌ عَلَىٰ مَاهِيَّاتِ الْمُمْكِنَاتِ، وَلِأَنَّ وُجُودَ الْبَارِي لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ زَائِدًا عَلَىٰ مَاهِيَّتِهِ فَتَكُونُ مَاهِيَّتُهُ وُجُودًا ثَانِيًا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَاهِيَّتُهُ عَارِيَةً عَنِ الْوُجُودِ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ مَاهِيَّتُهُ هِيَ الْوُجُودُ نَفْسُهُ، وَأَثْبَتُوا وُجُوبَ ذَلِكَ الْوُجُودِ، وَاسْتِحَالَةَ تَطَرُّقِ الْعَدَمِ إِلَيْهِ بِوَجْهٍ مَا، فَلَمْ يُعْوِزْهُمْ فِي إِثْبَاتِ الْبَارِي تَأَمُّلُ أَمْرٍ غَيْرِ نَفْسِ الْوُجُودِ، أَمَّا الِاسْتِدْلَالُ عَلَيْهِ بِالْمَوْجُودِ لَا بِوُجُودِ نَفْسِهِ: فَهُوَ الِاسْتِدْلَالُ عَلَيْهِ بِأَفْعَالِهِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ (بِالْعَالَمِ)، وَقَالُوا تَارَةً: الْعَالَمُ مُحْدَثٌ وَكُلُّ مُحْدَثٍ لَهُ مُحْدِثٌ، وَقَالُوا تَارَةً أُخْرَىٰ: الْعَالَمُ مُمْكِنٌ فَلَهُ مُؤَثِّرٌ".
وَقَالَ ابْنُ سِينَا: "إِنَّ الطَّرِيقَةَ الْأُولَىٰ الِاسْتِدْلَالُ عَلَيْهِ بِالْوُجُودِ نَفْسِهِ أَعْلَىٰ وَأَشْرَفُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَحْتَجْ فِيهَا إِلَىٰ الِاحْتِجَاجِ بِأَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ ذَاتِهِ".




