وكان سبب تأليف الرسالة الشافية ماحكاه بعد حمد الله والثناء عليه:" اعلم أن أهل التوحيد كثر بينهم الاختلاف في وجود الباري عزّ عزّه في ظهوره السماوي والأرضي، وأظهروا تكذيب بعضهم على بعض، والمنافرة والمكاشرة، وقاسوا العلوم بأهوائهم وحرّفوها على رأيهم، ولم يفرّقوا بين الأجوبة الأصلية والأخبار الفرعيّة، لأن أهل المقامات من الأبواب والأيتام والمقامات عالم النور حمّلوا كلاًّ من العالم البشري مايطيق حمله، وكلّ كلامهم له معنىً يراه كلٌّ على قدره، حيث أوضحوا في تأويلهم روايات ظاهرة وباطنة وفرعية وأصلية وهتف وكشف وتحجّب واستتار، يحتاج إلى الفحص والبحث عمّا أوردوا في أخبارهم، لأن الروايات الظاهرة حجب للباطنة، والجواب على قدر السائل.
هكذا روت أهل التوحيد بلا خلاف على أنهم يكتمون سرّ الله ولا يظهروه إلاَّ رمزاً، وضربوا به الأمثال في الظاهر وإشارتهم إلى الباطن، فلذا صار في كلامهم أجوبة فرعية وأصلية، لأن أهل الإيمان درجاتهم تتفاضل وأفهامهم تتفاوت في المعرفة ".
وكان الرجل من أهل التوحيد من العالم البشري، إذا سأل أحداً من أهل المراتب مثل اسم وباب عن جواب من العلم فلا يأتيه إلاَّ على قدر منزلته في العلم أصلاً وفرعاً.
وكان الرجل إذا سمع جواباً من أهل البيت يسنده إلى راويه ويرسمه في كتاب، فلهذا صار يوجد في الكتب أجوبة فرعية وأصلية وظاهرة وباطنة وكشف وستر، وما اختلف فيه يعرف من القرائن، لأن التوحيد لايغاير بعضه، وجرى قانون على التستر وضرب الأمثال ليقرب من الأفهام لتفاوت المعرفة وتفاضل الأفهام، كما بالخبر عن دخول أبي الذرّ على المقداد ورؤيته واضعاً قدمه تحت القدر وهو يغلي، واستعظامه ذلك، وقول سلمان: رفقاً بأخيك، لايطيق ماتطيق.. إلخ.
ودخول رجل من أهل التوحيد على الحسن العسكري، وتفسيره له: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا (1) الإسراء﴾، ودخول ثاني وثالث، كلٌّ يعطيه جواب غير الآخر.
وقول محمد بن جندب: ماذلك؟
قال: على قدر مايتحمّل عقل السائل.
والفرعية دلالة على الظهور البشري، والأصلية دلالة على الظهور النوري، لقوله: ﴿مَّافَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ (38) الأنعام﴾، وقوله: ﴿وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) إبراهيم﴾.




