قال للرداد: فما عندك في السبعة الذاتية التي هي الجزء الأصمّ؟
فقال الردّاد: ماأثبت سبعة ذاتية كما أنت معتقدٌ.
فنفر ولم يصبر حتى يأتيه بتفسيرها، وجعل يحتجّ ويشنّع عليه في جميع الأماكن أنه قد بطّل الوجود ونفى الصورة، لقصر فهمه عن إدراك المراد، وإنما ألزم الردّاد هذا الكلام تحيُّره عليه، وكثر كلامه في الصورة بغير مخبرة، وإصرار على أن الباري في ذاته صورة، وهذا هو التشبيه والغلّ والآصار، لأن مَن قال إن الباري جسم وروح فقد حدّه وبعّضه، إذ جعله شيئين جسداً وروحاً.
وقد قال أي الردّاد: إن الباري لايتجزّأ ولا ينقسم، لأنه الجزء الأصمّ.
وأخذ الردّاد يبيِّن مراده في ذلك إثبات الباري وإفراده.. إلى قوله: أمَّا احتجاجه وقوله إن المعنى قد مدّ يده إلى السماء كما بخبر الأعنّة: فهو كان على الأرض، فهذه معجزة أرضيّة، لو تأمّلها العاقل وأقرّ بمظهرها بالربوبية علم أن السموات مطويات بيمينه، فإذا كانت السماء والأرض في قبضة إسمه فكيف يكون معناه لو مدّ يده بالحقيقة كما رآه العالم لكان تحت السماء، وأعوذ بالله من الإحصار، وإنما هي قدرة أظهرها لأهل الأرض ليستدلُّوا من القليل على الكثير، وليعلموا أن حكمه في السماء كما في الأرض، وليصح ماعرض به إسمه بقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء (29) البقرة﴾.
وبيَّن معنى قوله جزءٌ أصمٌّ لاينقسم وما التزمه في السبعة الذاتية وغيرها علومٌ جمّة.. إلى قوله: فهذا ماجرى لي أول المناظرة.
وقد بيَّن شرح ماغاب عن ذهنه، ثم اجتمعوا مرّة ثانية في قرية (أسفين) في منزل الرئيس حسن وفّقه الله، وكان ذلك في شهر شوال في واحد وعشرين يوماً خلت منه سنة (665) ه خمس وستين وستمائة، واجتمعت عندهم جماعة من الإخوان، وكان عندهم الصويري، وذكر ماجرى معه بترجمته، وكان الردّاد وبعض الأخوان مجتمعين في قريته عند أحد الإخوان حرسهم الله في منزل أحمد بن مسعود وفّقه الله، وكان الردّاد وجيرانه وأعزّ إخوانه بأنسٍ، وكان والي السلطان في القرية، وكان يكنّى زيد الدين قراجا، فمن حسده لهم رفع أمرهم إليه وقال: إن عندنا رجل قد اجتمعت الجماعة عنده وانقطعوا عن حدمتك وقد آثروه عليك.
فأمر الوالي بإحضاره، فبادر رجل من بعض رجاله وكان من الإخوان، فأمرهم برفع الكتب، وقال لهم: انصرفوا لشأنكم، فقد أمر الوالي بإحضاركم، وهو طالبٌ مضرّتكم.




