ثم شرع يتكلّم في تفسير دعاء السيِّد أبي شعيب، حتى أتى على آخره، وعن الظهور والبطون، إلى أن قال: وكذلك الباري تعالى يظهر لقوم ويغيب عن قوم ولا غيبة له، وقد يعرف للشمس الكسوف، وهو أن يستر نورها عن الأبصار بجرم القمر مع ظهورها على ماذكره الفلاسفة وأهل العلم.
وأكثر العامة يظنون أن الجرم الظاهر لأبصارهم هو جرم الشمس، وليس كما يزعمون، وإنما جرم الشمس لأصحابه ومتى ظهرت بنورها، لأنها لو ظهرت بنورها لتشابه، إن من شأن النور أن نشاهد به الأجرام التي لانور لها كالحديد والنحاس والذهب والفضة وما يشاكل ذلك.
لو ظهرت الشمس بغير نورها لكانت كبعض هذه الأجسام لاتُشاهد في الظلام إلاَّ بمشاهدة النور، وكذلك الباري تعالى وهو الذات لايظهر إلاَّ بنوره، إذ لو يظهر بغير نوره لشوهدت الذات كمشاهدة النور، وليس كذلك، بل يظهر بنوره ليشاهد به.
وإن كان المفيد لخلقه بذلك، أعني بمشاهدة النور لرؤيته، ليشاهدوا به ويستدلّ عليه.
وإن كان الباري تعالى لاتدركه الأبصار مع ظهوره بنور الشمس، إذ الشمس كذلك وهي من بعض مصنوعاته لايمكن أن يُحقّق ذاتها بحاسة بصر مع ظهورها بنورها، فكيف يمكن أن تُدرَك ذات الباري بحاسة بصر مع ظهوره بنوره؟ وإذا بطن فإنه يبطن نوره مع ظهوره بالعيان، إذ النور لايفارق الذات، فيبطن النور بالضياء، والذات بالنور، والأقرب إلينا منّا ومن أبصارنا إنما هو الضياء بالحكمة وأمثاله، وما يبطن كالقمر لكسوف الشمس ونورها مع ظهورها، وكذلك الضياء وهو الساتر والحاجز بين أبصارنا، والنور والذات مع الظهور للعيان على ماذكرناه.
***
قلت: الظاهر من هذه الأمثال دلالة على أن الذات والنور والضياء والظلّ شيء واحد، وإن ستر هذا هذا فليس بالحقيقة تغيير لذات الباري كالمثل الذي ضرب من كسوف القمر للشمس واستتار جرمها وهي على حالها، كما يحقق بالتجريب على أن الكسوف يصير ببلاد دون بلاد، وهكذا النقص والزيادة على عالم دون عالم، لأن عالم النور لايرون إلاَّ حيث شاكلتهم لازيادة ولا نقصان، وإنما لهم أشياء يتعارفون بها من حيث شاكلتهم كما لنا نحن من حيث شاكلتنا.
وروي بمعنى ذلك شعراً:
ماظاهرٌ إلاَّ ويغربُ شخصهُ *** عن باطنٍ من غير إنكارِ
كالنور يستره الضياء وإن غدا *** مع ستره سترٌ لذات الباري
هو الذي لولاه لم يكُ ظاهراً *** ومشاهداً للخلق بالأبصار




