ولم يتّبع مقالةً فاسدةً، ولا جاز بنفسه تحت ضيم، ولم يستوطن مكاناً مُضاماً، وهجرَ أهل المقالات الفاسدة.
***
وأمَّا موسى جعله لحال دنياه وإصلاح شأنه، ولم يعلم أن الدهر خانة حتى عمل كتاباً وسمّاه مجلساً يشتمل على مناظرة جرت بين جماعة من المؤمنين في ظاهر المعنى وباطنه.
وقول موسى: قوم قالوا: ظاهر المعنى وباطنه سواءٌ، وقال آخرون: ظاهر المعنى غير باطنه، واحتجُّوا بحجج معلومة، وشواهد محلولة لايثبت لها دليل، ولا يقوم لها سبيل.
وكان موسى ماسمع كلام الردّاد ولا رآه من مدّة سنة، ولا سمع إلاَّ كلام ربيعة، وأخذ الردّاد يشرع ماتفضّل الله عليه به وما جمعه وحفظه عن المؤمنين الموحِّدين، وادّخره ليوم الدِّين وقمع به المنافقين، والخطاب لمن يعقل، فقال لموسى: فأمّا قولك إن ظاهر المعنى وباطنه سواء: فحقّ، ولكن ماهذا كان قولي، وإنما كان مرادي أن أبيِّن ماشاهدته عيون الممزوجين عند ظهور المعنى والنظر إلى الصورة المرئيّة في حال الظهور وكشف الغطاء والستور.
وأمَّا قولك: إنني أعبد الغيب وأترك الشخص الناطق المرئي: فأنت أيها الشيخ سامحك الله قد افتريت عليَّ بهذا الكلام، ولم تعرف منّي النظام.
وكان موسى جعله قسمين بوصفه وقال: عبد الشخص الظاهر، وترك الغيب الذي لايُدرك: فكأنه ماتحقّق الغيب الذي لايُدرك أيُّ شيءٍ هو.
فأخذ الردّاد يبيِّن ماهو معتقده، وهو أن المعنى القديم العليّ العظيم أحد صمد فرد جوهر قايم بذاته بالعلم والقدرة والفعل والمعجز الذي لايأتي أحد من المخلوقين بمثله وهو أمير النحل بذاته، والغيب الذي لايُدرك هو أمره وإرادته وعلمه الذي لايحيط به إسم ولا باب، فكيف يحيط به بشريٌّ مخلوقٌ؟ وبهذا استدلّت العوالم على وجوده، وهو ظاهر مرئي بذاته، وعلمه هو الغيب الذي لايُحاط، وهو الأمر النازل الذي لاتقع عليه الأبصار ولا تدركه الأفكار، فلا يدخل تحت الحروف، ولا يحسّ ولا يلمس، وأمَّا ماشاهدته العين اللحمية الدموية فليس هو صورة ولا له حجاب يحجبه، ولا له جسمٌ يلبسه، فهو الباري تعالى، ولا هو شيء يلمس بيد، ولا له فيء يُرى مثل في البشرية، ولا هو شخص يمشي على الأرض أو تظلّه السماء، بل هو علّة على أهل المعارف المعميّة والأفهام النكرانية، وهو حجاب الوقفة الذي حبس حجب الخلق في الهياكل، وهو علّة أرتهم الباري آكلاً شارباً، وهو يجلّ عن ذلك.




