إلى قوله: ثم قال له الردّاد: أنا أحضر كتابي، وأنت أحضر كتابك بين يدي مَن
لايكون له غرض معي ولا معك، وأنت تعرف أني كنت قد اختصرت في العشرة من أهل الجبل مواظباً على البحث والتحصيل للعلوم، مجانباً للمبذرين إخوان الشياطين.
وأخذ الردّاد يذكر مايجب أن يقوم به الإمام والجماعة، وهو قوله: الإمام لايتقدَّم على جماعة إلاَّ بعد أن يتبيَّن علمه ويظهر فعله، والعلماء ورثة الأنبياء، وهم أنوار الله في خلقه وحجّته على عالمه، وذلك لمَّا رأينا كثيراً من أهل البلاد الشرقية وغيرها قد اتّخذوا سنداً يستندون به فيما يرجع من الأمور الشرعية، ويعتمدون في التفقّه والدين عليه في النقض والإبرام، فواجب على الإمام إذا حضر في مجلس الحكم والعدل أن يأمر النقيب إلى الجماعة قبل إشراع الطعام والشراب أن يتفقّدوا مَن كان غائباً من المؤمنين أو حاضراً، وأن يساوي بين الغني والفقير بالحق، ومَن كان له دعوى على أحد من الإخوان فيقف هو وخصمه بين يدي الإمام ويتحاقّون على أخذه وعطاه، فمن ثبت عليه الجريمة والخطأ يقاطعوه إماماً كان أم نقيباً، فإن كان إماماً ينوب عنه نائب أو نقيب، ولا يقول الحاكم ماصحّ عندي، لأن الحكم له لالغيره، ولا يسأم المحكوم، فربما كان ملتبساً عليه الحق بالباطل، ومتى بدا من أحد الجماعة ذنب يوجب المقاطعة يقاطع فيتأدّب به غيره.
وبعد أداء الفريضة يأمر الإمام النقيب للجماعة أن مَن كان له سؤالٌ واجبٌ ليقم إلى بين يديّ الإمام ويشرب سرّه ويقبل يديه، ويساله عمّا بدا له.
وإن كان السؤال ممَّا يمكن لضعفاء الجماعة يورد على الجميع، وإن كان السائل لايحمل جواب ماسال عنه لقصر فهمه وسقوط درجته، فلا بأس أن يقول له: الله وملائكته وأولوا الأمر من المؤمنين أعلم، ماعندي جواب ماسألت عنه، أو يقرّب على فهمه بما يرضيه.
وإن كانت الجماعة لاتحتمل الجواب، فيرد منه إليه عند حركة الشهوة، ويحضرون من كان من المتعلّقين وطلاّب العلم، ويذكرون اشعاراً وأخباراً تشوقهم وتحرّضهم على المعرفة، فإذا غلب عليهم الشراب ليصرفوا من كان من الضعفاء ويتذاكروا في ذلك اليوم، ويأمر النقيب الجماعة بالمسائل والمباحثة والمطارحة.
وأنت أيها الشيخ مارأيناك عملت ماعملته المؤمنون المتقدمون.
***
وكان موسى قال في مناظرته: من أحبّ الله والدنيا فقد صار في قلبه محبوبان.
فقال الردّاد: حبّك للدنيا الذي أبعدك عن المؤمنين وحبّ الأولاد.
وكان الردّاد لم يتّخذ شيئاً من الأزواج والأولاد، وصبَّر نفسه إعفافاً، ولم يسأل الناس إلحافاً، كما قيل: الصبر على النائبات دفع الدرجات.




