مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

خَيْرُ الصَّنِيعَةِ فِي مُخْتَصَرِ تَارِيخِ غُلَاةِ الشِّيعَةِ - الْجُزْءُ 2 - حُسَيْنُ مَيْهُوبُ حَرْفُوشٌ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 68 من 277

مخافةً من سطوة العدو، وهو قول الشيخ حمدان جوفين:

فنوى لصادٍ أن يسوم جموعهم *** قتلاً وأوعدهم بحرق النار

فبرز إليه من العصابة ضيغمٌ *** أسدٌ جريء جاسرٌ كسّار

وانتدُب لذلك الأمر المهمّ والغضب المدلهمّ فداءً لإخوانه وحميةً لدينه وديَّانه: الهمّام

الشجاع والمقدام المطاع الشيخ مسلّم البيضا قدّسه الله، وذلك بعد أن تزنَّر بأسلحة الدعا من إخوانه، وامتطى مطية التوكُّل على إمام عصره وأوانه، ولم يزل إلى أن مثل بين يديّ الحاكم الجبّار المدّعي بنفسه العلو والإفتخار، فأوقع الله منه الرعب بقلبه، فعظّمه لحديث: اطلبوني تجدوني تحت تيجان الملوك، وعلى ألسنة الجبابرة.

وبعد مناظرة في العلم جرت بينهما طويلة خاطبه الموصلي قائلاً: أنتم لاتصلُّون على الميت.

فأجابه: نعم، نحسن الصلاة بإتقانها.

فقال القاضي الموجود: فإِذَنْ أنا الميت، وأنت المصلِّي، لنبلغ صحّة ماأنت قائله.

ثم اضطجع، وغطُّوه بملاءة، فتوضّأ الشيخ مسلّم ثم أقام الصلاة وصلّى عليه بتمامها.

فقال الموصلي للقاضي المتماوت: قد بلغت الصلاة حدّها، فقم وانظر هل فيها مايعيبها.

فلم يجبه، فكشفوا عنه، فرأوه ميتاً لاروح فيه.

فقال للشيخ مسلّم: ماهذا؟

فقال: هذه صلاة الميت، وأنا لاأصلِّي على رجلٍ حيٍّ.

فأوجس الموصلي في نفسه خيفة وقال: دينكم الحق، وأنتم الأعلون مقاماً.

ثم ردّه معظّما مكرّماً، وأتحفه تحفاً، فتعفّف عنها، فكان بذلك سرور تام لإخوان ذلك العصر، وقد خفّض الموصلي عنهم أشياء من الخراج، وأقبلوا يهنؤنه ويشكرون الله على ماأولاهم.

فقال الصويري في مدحه معرضاً عن ذلك:

كفانا أمور الموصلي وكيده *** وقد أوجست أنفاسنا من وعيده

ولا زال في عزمٍ يجود بنفسه *** إلى أن طغى منه سعير وقيده

وعاد بنصرٍ شاملٍ وكرامةٍ *** وقد أرغمت منه أنوف حسوده

تأخّر عنها كل رعديد ناكلٍ *** وأمَّا ابن عبد الله زينُ عبيده

وأصبح بالحالين يلحق صارعاً *** وهل تلقى عرجُ الضبع ملقى أسوده

فسرَّ لأرباب الحقيقة فعلُهُ *** وأرغم شانيه، وأضنى عبيده

الصفحة 68 من 277