إلى أن غضُّوا عن مجادلته لقوله: اتقوا جدال كل مفتون، وحرزاً على السرّ المصون.
وبعد ذلك ازداد عدوانهم وأعوانهم، وفار ماء طغيانهم، وكان الصويري يومئذٍ في قرية الصويري، فرحل إلى بلدة القليعة، وكان له غلام فتوفي، ومع مفارقته سئم المعاشرة وضجر من المجاورة، فرحل إلى بلاد الشرق، إلى أن سأله مَن وجب حقّه وصحّت ابوّته وأخوّته أن يؤلِّف له رسالة يكون فيها مقنوعاً وإليها مرجوعاً في سنة (690) ه، فبادر إلى تأليفها، وهملها مسوّدة لأمرٍ، ثم حضر يوماً في مجلس السيِّد محمد بن المعلِّم جبرين رحمه الله، وجرت بينهما مذاكرة في علم التوحيد، فذكرها له واطّلع عليها، وغِبّها حضر إلى مناظرة شيوخ الجبل أصحاب الرأي الفاسد والمقال الكايد، منهم (ناشي قرمس، وربيعة السويدا، وربيعة بن نصر العصيدة من قرية أسفين)، فحاجُّوا الصويري في قول الجديلي، وهو أعزّ ثقة، وأنه على التحقيق، وقد أنشأ كتاباً وسمّاها تجريد التوحيد، فأعدموا منه أربعة فصول، وغيّروا بعض كلام منه، وحقّ بهم قول الله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ... (46) النساء﴾، إلخ...
وبالتقدير كان كتاب الجديلي عنده بخطّ مؤلِّفه، فقابلهم به، وفشّرهم، إلى قوله بعض كلام: وقد حضر على مضمون مناظرتهم المعلِّم محمود من مدينة (كلِّز) وكان من عظماء المؤمنين الداخلين البيت الشعيبي من بابه، وممَّن يشاكل الأمير حسن بن مكزون السنجاري بالعلم، وكان بمسيره يشاهد الإخوان، وقصده اقتباس جذوة العلم والإيمان، فاستعاذ من رأيهم الفاسد ومقالهم الحاقد.
ثمّ إن المعلِّم محمد بن المعلّم جبرين شرح له عن الرسالة، وكان المعلّم محمد مطلعاً عليها، وممَّا هي مرسومة وموسومة، فسأله المعلِّم محمود الكلازي تنقيحها، فاعتذر بعد تفهيمها له، فأخذ عليه العهد على إصلاحها ونساختها له، بينما يرجع من مدينة الشام.
وفيما بعده رجع الصويري إلى قرية (بليبل) من قرايا الحصن وخرج مستأنساً نار الهداية المتجلِّي بها الباري من طور سين إلى سنة (716) ه.
وقد حضر السيِّد محمود الكلازي وكان أدرك الصويري العجز وقلّة الحيل والنظر، فبادر إلى تقرير قواعدها وشواهدها وإملاء فوائدها، واشتمالها على شجرة طوبى زيتونة لاشرقية ولا غربية.. إلخ، وأخذ يبيِّن مايثبت به الوجود النوري من الأخبار والآيات والشواهد المحكمات من كتاب التجريد دالّة على الوجود النوري.
وزيادة على مابأيدينا من نسخ التجريد وغيره، إلى أن قال مخاطباً لخصمه ربيعة وتبّاعه: " إلى كم هذا التيه والعمى الذي أنتم به والفرقة الحاتمية سوّا، فقد أفلج حجّتكم الردّاد الحلبي، وقبله المعلِّم جامع والمعلّم عطارد وفقهم الله، بطّلوا اعتقادكم الفاسد ورأيكم الحايد بالحجج المعقولة والشواهد المنقولة، كما أن الشاب الثقة أبو سعيد أفلج حجّة أبو ذهيبة ".




