وقد جيّشَ البين المشتدّ جيوشه *** سريعاً على خيلٍ جيادٍ سوابق
وقد أمّهم أربع ملوك ويدُّهم *** تحيط على كل الورى والمناطق
إذا شا إله العرش ينفذ أمره *** فيرسلهم للخلق في كلِّ خافِق
جميع جهات الأرض تحت لواهم *** بغرب وشرقٍ حدّ بها والعمائق
ونزلوا بتلك الربع عند عشية *** ونصبوا على باب الأمين السناجق
واستعجلوه بالقِرا قال مرحبا *** بضيفٍ أتاني عندما الليل غاسق
فقالوا نريد نروح قال امهلونني *** أودِّعُ أولادي وكلّ الرفائق
أوصي لابني صالح بعد غيبتي *** بأخوته قلبي بهم صار عالق
فلكنّهم لم يعلموا الخير والرّدى *** وأخشى عليهم غد يبقوا لزائق
فياصالح لاتشمت الناس فيهم *** وأحسِن إليهم إن مولاك رازق
واستعمل الخيرات لا تقطع الرجا *** واصبر إن الصبر خير الموافق
وإني راحل عنكم يا أحبّتي *** فودَّعني ياصالح إني مفارق
فقال له ياوالدي كيف حالتي *** أنا وإخوتي من بعدك الدمع دافق
فقال يعينكم العليُّ الذي علا *** وودَّعهم وارتدَّ نحو الطوارق
فقال لهم ماذا تريدوا فهي لكم *** خذوها بضحكٍ إن معكم مطابق
هنالك خرجوا من وريدية درّة *** محصّنةً ماشافها قطُّ مارق
وساروا بها نحو العُلى وانتهوا *** إلى جنّة فيها قصور شواهق
وأمَّا كثيف الروح أضحى ممدّداً *** تنوح عليه الأهل ثم الرفائق
وكم جيوب ذلك الوقت شُقِّقَتْ *** وكم من عمائم بالرقاب خوارق
وكم من شعور قد قُطعن وكم ترى *** عليه خدوداً بالكفوف سوافق
وصوت الثكالى يقرِّح القلب نعيها *** وأولاده والأهل جمعاً زواعق
فكنت ترى للقوم في الربع ضجّةً *** يرقُّ لها طير الهوى وهو مارق
فيايوسف لو تنظر الأهل بعدما *** رحلتَ لأعذرت القلوب الرقائق
وولدك خليل يستغيث بحرقةٍ *** فيا والدي ماكنتُ لليتم شائق
فياوالدي مالي معين على الجفا *** وبان أنيسي مابقا لي من معانق
فياوالدي ماكان حلِّ فراقنا *** ونحن صغار قلبنا فيه حارق
وصالح ينادي آه ياطول حسرتي *** لفقد أبي قد عاقني اليومَ عائق
بقيت وحيداً بعد فقدي لوالدي *** ولا لي سوى مولىً إلى الحبِّ فالق
يحقّ لشمس الأفق من بعد يوسف *** تغيب ولا يبدو لها نور بارق




