ففكّر الكركي في ذلك، ورأى أن كلامه صحيح، وقوله صريح، فابتدأ ونظم شعراً على حسب طاقته وما نتجت به قريحته.
[ قلت: وهو مجزوم احتراز من الإمساك باللغة، وله غيره مُركَّب سيأتي ].
ثم سأل الله ولإخوانه المؤمنين أيّدهم الله بروح منه أنَّ مَن وقفَ عليه منهم وتدبّره وقرأه وتصفّح معناه وما سطّره، إن كان فيه ذلل فليصلحها، أو لحنةً فليصححها، فيكون له بذلك الثواب، فإن عالم المزاج عالم خطأٍ واعوجاج.
وتكلّم عمّا يجب للمؤمنين ومعاملة بعضهم بعضاً، وعن الأبوّة والأخوّة، وما يجب على السيِّد والتلميذ، والتقيّة وكتمان السرّ، وأصل الدين.
وقد استشهد منه الشيخ حسين أحمد في رسالته تذكرة المريدين في شرف الأبوّة وصحّة الدين، وختمها بدعاءٍ بديع، كل كلمة تعكس فتطّرِد، وذلك لمَّا رأى عز الدين حسن بن مكزون السنجاري وموضوعاته، ورأى فيها مايطابق بعضها بعضاً في اللفظ والمعنى والمجانسة، فتبع ماسطّره واقتفى ماحبّره، وجمع في معناه ماحملته قوته.
وقول المكزون في بديعه هو: " توحيدُ الخاصة خاصة التوحيد: معرفة العين عين المعرفة، إسم المعنى معنى الإسم، ظهور الآية آية الظهور، باطن الظاهر ظاهر الباطن، صورة القدرة قدرة الصورة ".
وعلى هذا البناء، وتقدّم في ترجمة المكزون، فاتّبع الكركي المعاني والألفاظ مايطابق، وعمل على هذا البناء دعاءً، وسنأتي فيه، فوقف عليه بعض العارفين فتأوله تأويلاً غير صحيح وخاطر قريح، واتفق معه شخص آخر ووافقه على ذلك.
فقال الكركي: لايخلص مؤلف من حاسد يحسده، أو باحثٍ عن خطيئته يرصده.
واستشهد بقول المتنبي:
وكم من عايبٍ قولاً صحيحاً *** وآفته من الفهم السقيم
ولكن تأخذُ الأسماعُ منه *** على قدر القرايح والعلوم
وحمله إلى أخ يودُّه، وبيَّن اعتقاده، واستعتبه الكركي بقوله: أما كان يجب عليه أن ينفذ إلى صديقه قائلاً:" ياصديقي، إنَّا قد وقفنا لك على كلامٍ وأنكرنا فيه أشياء، فما عذرك فيها وببثه؟ فإن رآه خارجاً عن القانون أصلحه، وإلاَّ لاينبغي له السمع من أصحاب الأغراض الذين لم يعرفوا المعاني الفلسفية، ويجب على الذين يقف على المعاني التدبّر الكافي ".




