فأجاد:
حفظتُ من الندا والذرو عهدي *** وقد حقّقتُ إيماني ورشدي
ولمَّا صحّ لي ديني وعقدي *** هجرتُ الناس واستأنستُ وحْدي
لبيتي في مطالعة الكتاب
سمعتُ مُنادياً يدعو لنطق *** يدلُّ على طريق الرشدِ حقِّ
أبَتْ عيني سوى دمع وحرق *** لأني ماوجدتُ صديق صدق
أبثُّ إليه في الأوقات مابي
وزاد العلمُ في نطقٍ فصيحُ *** وقلبي زاد أنواراً وضوحُ
ودهري خان مالي من نصوحُ *** ولا من يصفني ودّاً صحيح
وخلُّوني على نهج الصواب
بكت عيني وزادتني غموما *** وفاض الدمع من عيني كلوما
على قومٍ ديارهم رسوما *** همُ كانوا جبالاً من علوما
تمرُّ كأنها مرُّ السحاب
أنا عيني نأى عنها وسنها *** وفاض الدمعُ شبه المزن منها
وروحي قد أحنّت لوطنها *** ومن الأربعين عدلتُ عنها
فواأسفي على عصر الشباب
ضياءٌ قد تبدَّى في غلاس *** فلا عيشٌ يلذّ ولا لباس
بأقوامٍ وجوههمُ عباس *** وألجأني الزمان إلى أُناس
كأنَّ ودادهم لمعُ السراب
يسبُّ الإبن منهم لأبيه *** بلا عقلٍ ولا دينٍ يليه
وكفرٍ ثم إشراكٍ وتيه *** كبيرُهم ينمُّ على أخيه
بإفكٍ واغتيابٍ وارتياب
بقيتُ وحيد بينهم غريبا *** وقلبي منهم أضحى مُريبا
قلوبهم انحشت غلاًّ وريبا *** ولم يدروا مقال فتىً خصيبا
ولا وأبيك ماردُّوا الجواب
سألتُ لمن دعواي مجيبا *** بدعوة عارفٍ عبدٍ مُنيبا
يكن لي في دعائي مُستجيبا *** سألتُ الله ينقذني قريبا
وينقلني إلى خير المآب
وأن يقيلني من شدّ إصر *** وأن يزيدني فهماً وبصر
ويمددني الإلهُ بكل نصر *** بقيتُ غريبُ بين أُهيْلِ عصري
وما حالُ الغريب بلا صحاب




