ثم عاد لما قاله في كتاب الفحص والبحث، وهو: قال السائل: فما أقول في سطر الإمامة؟
قال المجيب: ذلك طريق الله وصراطه ومعدن ظهوره ومحلّ نوره، يريد ذلك قوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (18) الجن﴾.
قال السائل: وما المساجد؟
قال المجيب: شخص الإمام، وهو المسجد الأكبر، والمساجد التي هي لله هي البيوت التي يُذكَر فيها وبها يظهر وفيها يستتر، وهم عقايد النور، ومقامات العليّ الكبير، فأفرِد الله فيهم تكن من خبرتهم محبيهم.
قال السائل: كيف أفرُدُه فيهم؟
قال المجيب: قد تقدَّم لك القول أن كل شخص ظهر من الحسن الأول إلى الآخر فهو عند قوله: أنا الله ربّ العالمين أمير النحل العليّ الكبير.
فإذا لم يقل ذلك وأشار أنه عبد وأن فوقه غاية فهو ملكٌ لله وحجاب، فهذا معنى إفراده فيهم.
والذي أقولهُ ويُعتَمد عليه: إن المعنى لايوصف ولا يُعرَف إلاَّ ظاهره، وجميع أهل السموات والأرض لايعرفون إلاَّ ظاهره الذي ظهر بالبشرية، وهكذا يجري مجرى أهل المراتب بالنورانية جميعاً.
وإنّ الباطن الذي لايُدرَك هو الصورة المرئيّة كما قدَّمنا ذكرها، وهي الباطن والظاهر، وأنها ظهرت للعباد بذاتها، فنظروا إليها من حيثهم وضعفهم، والنافي إنما ينفي ضعف نظره إليها، وهي الحايطة في الحجاب، والحجاب ذنوب العباد، لأن الغاية تحيط بالحجاب، والحجاب لايحيط بالغاية، والسطر أعلا منزلة للحجاب، والله يقول: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ (103) الأنعام﴾.
فإذا صحّ أن الله يُدرَك وهم لايدركوه، فقد صحّ أن الغاية هي الحايطة بالحجاب من غير تصغير الحجاب.
إلى قوله: وكذا سائر المؤمنين يشاهدون الصورة المرئيّة الأنزعية، ويعرفون منها بحسب قوتهم في المعرفة واستعداداتهم من فيوضات الوجود الذاتي، ويعلمون أنها أعظم مارأوها ويطلبون الزيادة بعضهم من بعض في معرفتها.
وأيُّ مَن تدبَّر هذا الشرح بعين البصيرة وجده غاية التنزيه في الذات والإسم.




