مَثَلُهُ كَمَثَلِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الْبَشَرِ يَقْدِرُ أَنْ يُظْهِرَ عَلَى نَفْسِهِ الْفَقْرَ وَالدُّرُوشَةَ وَأَيُّ حَالَةٍ أرَادَ أَنْ يَتَزَيَّا بِهَا مِنْ أَصْنَافِ الْفَقْرِ وَالذُّلِّ، لَمْ يَعْجِزْ أَنْ يَتَزَيَّا بِهَا، وَالْعَاجِزُ الضَّعِيفُ مِنْ أَحَدِ الْخَلِيفَةِ، لَا يَقْدِرُ أَنْ يَتَزَيَّا إلَّا بِمَا فِيهِ، لِمِثْلِ هَذَا قِيلَ أنَّ الْعَجْزَ مِنْ الْقَادِرِ قُدْرَةٌ.
فَأَمَّا إظْهَارُ قُدْرَتِهِ فِي الصُّورَةِ الْبَشَرِيَّةِ، فَقَدْ تَقَدَّمَ بِهِ الْقَوْلُ مِنْ مَعَاجِزِهِ، مِثْلُ إحْيَاءِ الْأَمْوَاتِ وَإنْطَاقِ الْبُكْمِ وَالْجَنِينِ، وَإبْرَائِهِ الْأَجْذَمَ وَالْأَبْرَصَ، وَقِيَامُهُ الْمُقْعَدَ، وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ مِنْ مَعَاجِزِهِ الْأَرْضِيَّةِ وَمِنْ الْمَعَاجِزِ السَّمَاوِيَّةِ، مِثْلُ رَدِّ الشَّمْسِ، وَطَيِّ السَّمَاءِ، وَانْشِقَاقِ الْقَمَرِ وَمِثْلُهُ مَا لَوْ أطَلْنَا بِهِ لَطَالَ بِهِ الْخِطَابُ وَاتَّسَعَ بِهِ الْكِتَابُ، وَكَذَلِكَ ظُهُورُهُ بِالنُّورَانِيَّةِ وَفِعْلُهُ مَعَ عَالَمِ النُّورِ لَيْسَ كَفِعْلِ جَمِيعِ الْأَنْوَارِ السَّمَاوِيَّةِ مِنَ الْكَوَاكِبِ السَّيَّارَةِ وَغَيْرِهَا، لِأَنَّ الْفَلَاسِفَةَ وَالْمُنَجِّمِينَ وَأصْحَابَ الزَّايْرِجَاتِ(1) وَالتَّقْوِيمِ اجْتَهَدُوا عَلَى مَعْرِفَةِ مَسِيرِ الْكَوَاكِبِ وَتَقْدِيرِهَا، وَحَقَّقُوا عَلَى عِرْفَانِهَا، وَأحْصُوا مِقْدَارَ سَيْرِهَا أَيَّامًا وَشُهُورًا وَسِنِينَ وَألْقَافَ، مَا قَدَرُوا عَلَى تَقْدِيرِ مَسِيرِهِ بِمِقْدَارٍ، إلَّا أنَّهُ فِي كُلِّ شَهْرٍ يَطُوفُ الْبُرُوجَ الْاِثْنَي عَشَرَ، وَالْمَنَازِلَ الثَّمَانِيَةَ وَعِشْرِينَ، وَيَزِيدُهُمْ وَلَا يَزْدَادُ مِنْهُمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِهِ الْقَوْلُ فِي هَذِهِ الرِّسَالَةِ عَنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا ٱلشَّمۡسُ يَنۢبَغِي لَهَآ أَن تُدۡرِكَ ٱلۡقَمَرَ﴾(2)، وَقَوْلُ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ الْجُعْفِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِلْبَاقِرِ عَزَّ عِزّهُ: «يَا مَوْلَايَ مَا مَعْنَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا ٱلشَّمۡسُ يَنۢبَغِي لَهَآ أَن تُدۡرِكَ ٱلۡقَمَرَ﴾(3)» قَالَ الْبَاقِرُ: «لَا يَنْبَغِي لِلرَّسُولِ أَنْ يُدْرِكَ الْمُرْسِلَ».




