الَّذِي هُوَ مُكَوِّنُهُمْ وَمُكَوِّنُ الْأَحْيَاثِ، فَلَمَّا بَلَغَ بِهِمْ إلَى نِهَايَةِ ذَلِكَ هَفَتُوا لِوُجُوهِهِمْ وَقَدْ عَدِمُوا اللُّبَّ وَالذِّهْنَ وَالتَّحْصِيلَ وَالإدرَاكَ، وَزَالَ عَنْهُمْ سِرُّ الْغَيْبِ مِنْ وَهْمٍ يُنْهِي أَمْرَ مُلْكِهِ وَتَنَاهِي أَحْيَاثِهِ وَمُكَوِّنَاتِ أَكْيَانِهِ وَأَيْقَنُوا أَنَّهُ لَا غَايَةَ لِذَلِكَ، وَإِنَّهَا مِنْ بَعْضِ بَعْضِ عِلْمِهِ، إِذْ لَا بَعْضَ يَقَعُ عَلَيْهِ وَلَا بِهِ، فَلَمَّا أَوْقَفَهُمْ قَدْ هَفَتُوا لِوُجُوهِهِمْ فِي نُورِ عِزَّتِهِ الَّتِي أَعَزَّ بِهَا اسْمَهُ وَجَلَالِ قُدْرَتِهِ الَّتِي أَقْدَرَهُ بِهَا عَلَى كَوْنِ ذَلِكَ وَإيجَادِهِ، فَظَهَرَ لَهُمْ فَقَالَ لَهُمْ نُطْقًا، وَأَوْجَدَهُمْ إيَّاهُ مِنْ إرَادَتِهِ، وَهُوَ مَا قَدْ سَبَقَ بِهِ إلَيْهِمْ فِي مَقَامَاتِ مُلْكِهِ حِينَ أبْدَاهُمْ فِيهِ: ﴿لِّمَنِ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَۖ﴾(1) فَكَانَتْ الْإِجَابُةُ عَلَى سُرْعَةِ التَّسْلِيمِ: ﴿لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ﴾(2)».
اِعْلَمْ رَحِمَكَ اللَّهُ إنَّ سُؤَالَ الِاسْمِ: ﴿لِّمَنِ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَۖ﴾(3) لِيُفْرِدَ الْأَوَّلَ لَهُمْ وَيُثَبِتَ الْمُلْكَ لَهُ، كَمَا تَقَدَّمَ الشَّرْحُ حِينَ إبْدَاءِ الْأَكْوَانِ كَانَ لِتَكْوِينِ الْاِسْمِ بِإِذْنِ الْأَوَّلِ إلَى وَقْتِ تَأْبِيدِ الْأَكْوَانِ مِنْ الِاسْمِ، وَقَعَ الِانْفِصَالُ مِنْ غَيْرِ انْفِصَالٍ، وَظَهَرَ الْأَزَلُ لِلْأَكْوَانِ وَبَدَتْ بِهِمْ الْحَرَكَةُ إِلَى وَقْتِ سُؤَالِ الِاسْمِ لَهُمْ: ﴿لِّمَنِ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَۖ﴾(4) أَجَابَ فِي سُرْعَةِ التَّسْلِيمِ: ﴿لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ﴾ فَكَانَتْ إجَابَتُهُمْ لِلَّهِ الْأَزَلِ الْغَايَةِ، وَهُوَ قَدِيمُ الِاسْمِ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لِّمَنِ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَۖ﴾(5) قَبْلَ ظُهُورِ الْأَزَلِ، أَبْدَيْت كَوْنَ كَوْنِهِمْ وَكُنْت مَالِكَ أَكْوَانِهِمْ، وَالْآنَ عُدّتُ أَنَا وَأَنْتُمْ مَلِكُ الْأَزَلِ، وَهَذَا فَرْقُ الْمَعْنَى مِنَ الْاِسْمِ، وَالرَّبِّ مِنْ الْمَرْبُوبِ.




