إنَّهُ لَوْلَا النَّارُ مَا هَضَمَتْ الْمَعِدَةُ الطَّعَامَ، وَلَوْلَا الرِّيحُ لَمَا الْتَهَبَتْ نَارُ الْمَعِدَةِ، وَلَا خَرَجَ التُّفْلُ مِنْ جَوْفِهِ، وَلَوْلَا رُطُوبَةُ الْمَاءِ لَأَحْرَقَتْ النَّارُ الْمَعِدَةَ، وَلَوْلَا النُّورُ مَا أَبْصَرَ، فَالطِّينُ صُورَتُهُ وَالْعَظْمُ فِي جَسَدِهِ بِمَنْزِلَةِ الشَّجَرِ فِي الْأَرْضِ، وَالدَّمُ فِي جَسَدِهِ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ فِي الْأَرْضِ، وَلَا قَوَامَ لِلْأَرْضِ إِلَّا بِالْمَاءِ، وَلَا قَوَامَ لِلْجَسَدِ إِلَّا بِالدَّمِ، وَالشَّعْرُ عَلَى جَسَدِهِ كَالْعُشْبِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فَهَذِهِ مَعْرِفَةُ تَرْكِيبِ الطَّبَائِعِ.
وَأَمَّا الْأَشْخَاصُ الْمُوكَّلَةُ عَلَى الطَّبَائِعِ، وَمَعْرِفَةُ كُلِّ طَبِيعَةٍ، وَبَيَانُ شَخْصِهَا، اِعْلَمْ وَفَّقَكَ اللَّهُ أنَّ الْأَشْخَاصَ الْمُوكَلَةَ عَلَى الطَّبَائِعِ هُمُ الْأَكْوَانُ السِّتَّةُ، الَّذِينَ قَدَّمْنَا ذِكْرَهُمْ وَهُمْ: سَلْمَانُ وَالْمِقْدَادُ وَأَبُو الذَّرِّ وَعَبْدُ اللَّهِ وَعُثْمَانُ وَقَنْبَرُ بْنُ كَادَانَ، وَأَمَّا الْكَوْنُ السَّابِعُ قُدْسُ الْمَعْرِفَةَ فَهُوَ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْأَكْوَانِ، وَهِيَ رُوحٌ مُمْتَدَّةٌ مِنْ رُوحِ الْمِيمِ مِنْ أَرْبَعَةِ آلَافِ جُزْءٍ، وَهِيَ رُوحُ الْعَقْلِ، مُوَكَّلٌ بِهَا السَّيِّدُ الْمِيمُ، مِنْ نُورِ اللَّهِ بَدَتْ أَيْ مِنْ نُورِ الْمِيمِ بَدَتْ، وَهُوَ نُورٌ عَقْلِيٌّ، انْبَجَسَ مِنْ نُورِ الْمِيمِ مِنْ أَرْبَعَةِ آلْافِ جُزْءٌ، وَهَذَا هُوَ الْكَوْنُ السَّابِعُ، لِأَنَّهُ أَتَى فِي الشَّرْحِ أنَّ الْكَوْنَ النُّورَانِيَّ سَلْمَانُ، وَهُوَ أَخٌ لِكَوْنِ قُدْسِ الْمَعْرِفَةِ السَّيِّدِ الْمِيمِ، وَهَذِهِ الْأَكْوَانُ مَوْجُودَةٌ فِي ذَاتِ الْبَشَرِ، وَأَنَّ سَيِّدَنَا الْخُصِيبِيَّ ذَكَرَ فِي رِسَالَتِهِ "الرُّسْتُبَاشِيَّةِ" «أَنَّ السَّمْعَ السَّيِّدَ الْمِيمُ، وَالْبَصَرَ السَّيِّدُ سَلْمَانُ، وَالْفُؤَادَ الْمِقْدَادَ، لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسُۡٔولٗا﴾(1)».




