وَقَالَ أَيْضًا فِي شَرْحِ هَذَا الْكِتَابِ فِي مَعْرِفَةِ مَا خَلَقَ اللَّهُ وَقَدَّ مِنَ الْقُدَدِ وَصَوَّرَ مِنَ الصُّوَرِ، وَمَعْرِفَةِ احْتِجَابِ الرُّوحِ فِي أرْبَعِ حُجَبٍ وَهُمْ: النُّورُ وَالنَّارُ وَالْمَاءُ وَالرِّيحُ، وَكُلُّ طَبِيعَةٍ بِمَا يَحْدُثُ مِنْهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ: «خَلَقَ النُّورَ ثُمَّ خَلَقَ النَّارَ، فَحَجَبَ النُّورَ بِالنَّارِ، ثُمَّ خَلَقَ الرِّيحَ فَحَجَبَ بِهِ النَّارَ، ثُمَّ خَلَقَ الْمَاءَ، فَحَجَبَ بِهِ الرِّيحَ، وَخَلَقَ الطِّينَ مِنْ زُبْدِ الْبَحْرِ، فَحَجَبَ بِهِ الْمَاءَ».
وَاعْلَمْ أنَّ النُّورَ خَلَقَ مِنْهُ الْمَلَائِكَةَ مُصَوَّرِينَ، وَالنَّارَ خَلَقَ مِنْهَا الْجَانَّ مُصَوَّرِينَ، وَالرِّيحَ خَلَقَ مِنْهُ الْجِنَّ مُصَوَّرِينَ، وَالطِّينَ صُورَةَ آدَمَ فَخَلَقَ آدَمَ مِنْ الطِّينِ وَالنَّارِ وَالرِّيحِ وَالْمَاءِ، فَاعْلَمْ أَيُّهَا الْوَاقِفُ عَلَى هَذَا الشَّرْحِ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ كُلَّ طَبِيعَةٍ مِنْ هَذِهِ الطَّبَائِعِ وَالْعَنَاصِرِ الْأَرْبَعِ عَنَاصِرَ مُفْرَدَةً، وَكُلُّ طَبِيعَةٍ تَقُومُ مُفْرَدَةً حَتَّى الْبَارِي يَخْلُقَ طَبِيعَةً أُخْرَى، فَوَقَعَ الِاخْتِلَاطُ إِلَى آخِرِهِمْ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ أنَّ كُلَّ طَبِيعَةٍ تَخْرُجُ مِنْهَا جَارِحَةٌ خِلَافَ الْأُخْرَى، فَمِنْ جَارِحَةِ النَّظَرِ لَا يَقُومُ إِلَّا بِذَاتِهِ، وَلَيْسَ هُوَ مُشْتَرَكًا لِحَرَكَةِ السَّمْعِ، وَلَا السَّمْعُ مُشْتَرَكًا لِحَرَكَةِ النَّظَرِ، وَلَا تَقُومُ مِنْ جَمِيعِ حَرَكَاتِ الْجِسْمِ حَرَكَةٌ مَقَامُ الْأُخْرَى إِذَا عَدَمَتْ، بَيَانَ ذَلِكَ إِذَا كَانَ النَّظَرُ مُحْتَجِبًا فَلَمْ يُبْصِرْ بِحَرَكَةِ السَّمْعِ، وَإذَا كَانَ مَعْدُومًا فَلَمْ يَسْمَعْ بِحَرَكَةِ النَّظَرِ، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ حَرَكَاتِ الْجِسْمِ عَلَى هَذَا السِّيَاقِ، مِثْلَ الشَّمِّ وَالذَّوْقِ وَاللَّمْسِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، لَا تَقُومُ وَاحِدَةٌ إلَّا بِمَا خَصَّهَا اللَّهُ بِهِ




