مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

أَبْوَابُ الْعِرْفَانِ - عِيسَى النَّمِيلِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 60 من 168

فَإِذَا قَالَ لَنَا قَائِلٌ: إنَّ عَالَمَ الِإنْسَانِ يُدَبِّرُهَا.

نَقُولُ لَهُ: إنَّ جَمِيعَ جَوَارِحِ الِإنْسَانِ لَا تَقُومُ بِذَاتِهَا، ألا تَرَى إلَى النَّظَرِ أنَّهُ إذَا انْقَطَعَ عَنْهُ الضِّيَاءُ بَطُلَتْ حَرَكَتُهُ وَفِعْلُهُ وَرَجَعَ عَدَمًا، وَكَذَلِكَ السَّمْعُ إذَا انْقَطَعَ عَنْ الْهَوَاءِ بَطُلَتْ حَرَكَتُهُ وَفِعْلُهُ وَرَجَعَ عَدَمًا، وَكَذَلِكَ الشَّمُّ وَالذَّوْقُ وَاللَّمْسُ، إذَا انْقَطَعَتْ عَنْهَا الْحَرَكَةُ الرُّوحَانِيَّةُ الَّتِي أَصْلُهَا مِنْهَا بِكُلِّ كَوْنِهَا، وَهَذِهِ الْعَنَاصِرُ الْأَرْبَعَةُ الْمَشْرُوحَةُ كُلُّ حَاسَّةٍ مُحْدَثَةِ الطَّبِيعَةِ، وَالطَّبِيعَةُ أَقَامَتْهَا مِنْ غَيْرِهَا مِنْ الْعَنَاصِرِ النَّفْسِيَّةِ الْعُلْوِيَّةِ، وَالِاسْتِقْصَّاتِ الْفَلَكِيَّةِ وَالْكَوَاكِبِ الدُّرِّيَّةِ، لِأَنَّ الْعَنَاصِرَ السُّفْلِيَّةَ الْحَاسِّيَّةَ الطَّبِيعِيَّةَ مُشَاكِلَةٌ لِلْعَنَاصِرِ الْعُلْوِيَّةِ بِالْجِنْسِ وَالْمَنْظَرُ، لَيْسَ مُشَاكَلَتَهَا بِالْحَقِيقَةِ وَالْجَوْهَرِ، لَأنَّ هَذِهِ الْعَنَاصِرَ السُّفْلِيَّةَ الْحَاسِّيَّةَ الطَّبِيعِيَّةَ جَمِيعُ مَا يَتَوَلَّدُ مِنْ كَوْنِهَا وَبُخَارِهَا يَفْسِدُ وَيَتَلَاشَى وَيَضْمَحِلُّ وَيُعْدَمُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَالْعَنَاصِرُ الْعُلْوِيَّةُ لَا تَبْلَى وَلَا تَتَلَاشَى وَلَا تُعْدَمُ وَلَا يَتَغَيَّرُ كَوْنُهَا.

وَقَالَ أَيْضًا: «أَنَّ الْكَوَاكِبَ الْخَمْسَةَ السَّيَّارَةَ تَقْتَبِسُ مِنْ ضِيَاءِ الْقَمَرِ، وَتَكْسَبُ مِنْ نُورِهِ، وَالْخَمْسَةُ السَّيَّارَةُ تُضَافُ إِلَى الْمَنَازِلِ وَالْمَنَازِلُ تُضَافُ إِلَى الدُّرُجِ وَالدَّقَائِقِ حَتَّى تَكْتَسِيَ السَّمَوَاتُ مِنْ نُورِهِمُ ثُمَّ تَمُدُّ عَنَاصِرَهَا لِلْعَنَاصِرِ السُّفْلِيَّةِ الْحَاسِّيَةِ الطَّبِيعِيَّةِ الطِّينِيَّةِ، فَيُبْدِيهَا وَيُثَبِّتُهَا، وَلَوْ أَنَّ الْقَمَرَ أَخْفَى ظُهُورَهَا لَتَلَاشَتْ النُّجُومُ وَتَعُودَ عَدَمًا وَكَذَلِكَ الطَّبِيعَةُ الطِّينِيَّةُ لَوِ انْقَطَعَتْ عَنْهَا الْعَنَاصِرُ النَّفْسِيَّةُ لَعَادَتْ عَدَمًا، يَجْرِي عَلَيْهَا هَذَا الْمَجْرَى».

الصفحة 60 من 168