مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

أَبْوَابُ الْعِرْفَانِ - عِيسَى النَّمِيلِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 59 من 168

لِلطَّبِيعَةِ، وَأنَّ الْإِنْسَانَ مُرَكَّبَةٌ طَبِيعَتُهُ مِنْ الْعَنَاصِرِ الْأَرْبَعَةِ النَّارِيَّةِ وَالتُّرَابِيَّةِ وَالرِّيَاحِيَّةِ وَالْمَائِيَّةِ، فَهَذِهِ الْعَنَاصِرُ الْأَرْبَعَةُ امْتِدَادُهُمْ مِنْ الْبُرُوجِ وَالْمَنَازِلِ الَّتِي قَدَّمْنَا ذِكْرَهَا، وَتَمُدُّ عَنَاصِرَهَا إِلَى الطَّبِيعَةِ.

وَقَالَ أَيْضًا: «وَمَا فَوْقَ فَلَكِ الْقَمَرِ مِنْ الْأَجْرَامِ لَيْسَتْ مِنْ فِعْلِ الطَّبِيعَةِ، لَأنَّهَا لَيْسَتْ تَتَحَلَّلُ، وَالطَّبِيعَةُ أَصْلُ الْمُرَكَّبَاتِ وَهِيَ تَتَحَلَّلُ إلَيْهَا، هَكَذَا أَبَدًا لَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا فَسَادٌ لِأَنَّهَا مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ»، مَعْنَى الْقَوْلِ أنَّ الْأَجْرَامَ الْعُلْوِيَّةَ لَيْسَتْ مُرَكَّبَةً كَهَيْئَةِ الْعَنَاصِرِ الطَّبِيعِيّةِ بِهَيْئَةِ الْخَلْقِ، بَلِ إنَّهَا بَسِيطَةٌ، فَلَيْسَ يَنْحَلُّ كَوْنُهَا وَلَا يَتَغَيَّرُ ضَوْئُهَا، وَلَا يَجْرِي عَلَيْهَا فَسَادُ الطَّبِيعَةِ، وَمَا كَانَ أَصْلُهَا مِنْ التَّرَاكِيبِ وَالْعَنَاصِرِ الطَّبِيعِيَّةِ فَإنَّهَا تَنْحَلُّ عَنْ كَوْنِهَا وَتَتَلَاشَى، يُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا قَالَهُ أَبُو مَعْشَرٍ الْبَلْخِيُّ أنَّهُ نَقَلَ عَنْ بَطْلَيْمُوسْ الْحَكِيمِ مِنْ كِتَابِ "يُونَانَ الْكَبِيرِ" وَتَرْجَمَهُ أَبُو مَعْشَرٍ مِنْ الْيُونَانِيِّ الْمَغْرِبِيِّ عَنْ تَنَاهِي الْأَبْعَادِ، وَمَا مُقَارَبَةُ الأقْدَارِ حُجَّةٌ مَشْهُورَةٌ، قَالَ بَطْلَيْمُوسُ: «يَجِبُ عَلَى الْحَكِيمِ الْحَاذِقِ مَعْرِفَةُ الصَّانِعِ لِتَكُونَ الْحِكْمَةُ مَعَهُ تَامَّةً، لِأَنَّ كُلَّ صَنْعَةٍ لَهَا صَانِعٌ، وَكُلَّ كِتَابٍ لَهُ كَاتِبٌ وَكُلَّ بِنَاءٍ لَهُ بَانٍ».

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّ الصَّانِعَ فَعَلَ الْعَنَاصِرَ الْأَرْبَعَةَ النَّارَ والتُّرَابَ وَالْهَوَاءَ وَالْمَاءَ مِنْهَا تَوَلَّدَتْ الْخَلِيقَةُ، لَأنَّهَا كَامِنَةٌ فِي جَمِيعِ الْأشْيَاءِ.

نَقُلَ لَهُ: هَذِهِ الْعَنَاصِرَ جَوَاهِلَ، لَا عَقْلَ لَهَا، وَلَا تَفْعَلُ بِغَيْرِ فَاعِلٍ يَفْعَلُهَا، وَمُدَبِّرٍ يُدَبِّرُهَا، وَإشِّرَاقُ آلَةٍ مِنْ الْآلَاتِ عَلَيْهَا، الَّتِي هِيَ أَصْلُ جَوَاهِرِهَا، وَامْتِدَادِهَا مِنْهَا وَمِنْ بُخَارِهَا.

الصفحة 59 من 168