فَقَالَ لَهُ الْمَوْلَى الصَّادِقُ عَزَّ عِزّهُ: «يَا مُفَضَّلُ، إِنَّ ظُهُورَ مَوْلَاكَ فِيمَا بَيْنَ خَلْقِهِ عَجِيبٌ، لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا عَالِمٌ خَبِيرٌ، وَإنَّ ذَلِكَ هُوَ الصَّعْبُ الْمُسْتَصْعَبُ، وَاعْلَمْ أنَّ الذَّاتَ لَا يُقَالُ لَهَا نُورٌ، لِأَنَّهَا مُنِيرَةُ كُلِّ نُورٍ، وَإنَّ مَوْلَاكَ الْأَزَلَ أَقَامَ الْأشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ فِكْرٍ بِهِ وَلَا وَهْمٍ وَذَلِكَ لِحَاجَةِ الْمَخْلُوقِينَ إلَى مَعْرِفَتِهِ، لَا لِحَاجَتِهِ إلَيْهِمْ، لِأَنَّهُ غَنِيٌّ عَنْهُمْ وَهُمْ مُحْتَاجُونَ إليْهِ».
وَهُوَ كَمَا تَقَدَّمَ بِهِ الْقَوْلُ أنَّ ذَاتَ الْبَارِي لَا يُقَالُ لَهَا نُورٌ لِأَنَّهَا مُنِيرَةُ كُلِّ نُورٍ، وَلَا يَقَعُ عَلَيْهَا وَصْفٌ وَلَا قِيَاسٌ وَلَا مَثَلٌ تَتَمَثَّلُ بِهِ، لِأَنَّهَا شَيْءٌ لَا كَالْأَشْيَاءِ وَآلَةٌ لَا كَالْآلَاتِ وَحَرَكَةٌ لَا كَالْحَرَكَاتِ، وَهِيَ الْغَيْبُ الْمَنِيعُ الَّذِي مَا فِيهِ لِلْقَائِلِ مَقَالٌ، وَلَا لَهُ حَدٌّ فَتُضْرَبُ بِهِ الْأَمْثَالُ، أَشْرَقَ مِنْ ذَاتِهِ نُورٌ شَعْشَعَانِيٌّ لَا تَثْبُتُ لَهُ الْأَنْوَارُ، وَأَبْدَى مِنْ ذَلِكَ النُّورِ السَّيِّدَ مُحَمَّدٍ عَزَّ عِزّهُ، فَكَانَ بُدُوُّهُ مِنْ نُورِ الذَّاتِ، يَعْنِي ظَاهِرُ الذَّاتِ، وَأَشْرَقَ مِنْ ذَلِكَ صُورَةَ الضِّيَاءِ وَهِيَ الصُّورَةُ الَّتِي أَظْهَرَهَا لِأَهْلِ النُّورِ، وَحَجَبَ بِهَا نُورَ الذَّاتِ عَنْهُ، كَمَا أَنَّ صُورَةَ النُّورِ حَجَبَ بِهَا الذَّاتَ، وَأَقَامَ مِنْ ذَلِكَ الضِّيَاءِ صُورَةَ الظِّلِّ وَهِيَ صُورَةُ الْوُجُودِ الَّتِي أَظْهَرَهَا لِعَالَمِ الْأَبْشَارِ فِي الْقِبَابِ السَّبْعِ، مِنْ هَابِيلَ إِلَى مَوْلَانَا الْعَيْنِ عَزَّ عِزّهُ، وَهِيَ حِجَابُ الضِّيَاءِ، كَمَا أَنَّ الضِّيَاءَ حِجَابُ النُّورِ، وَالنُّورَ حِجَابُ الذَّاتِ، وَلِهَذَا قِيلَ أنَّ السَّيِّدَ الْمِيمَ عَزَّ عِزّهُ يَرَى مَوْلَاهُ بِمَا لَا يَرَاهُ بِهِ مَنْ هُوَ دُونَهُ مِنْ عَالَمِ النُّورِ، لِأَنَّهُ يَرَاهُ بِالصُّورَةِ الَّتِي هِيَ حِجَابُ الذَّاتِ، وَلِهَذَا قِيلَ إِنَّ الْبَارِئَ عَزَّتْ لَاهُوتِيَّتُهُ وَتَقَدَّسَتْ أسْمَاؤُهُ حَجْبَ ذَاتَهِ بِالنُّورِ، وَحَجْبَ النُّورَ بِالضِّيَاءِ، وَحَجْبَ الضِّيَاءَ بِالظِّلِّ مِنْ غَيْرِ تجزيئ وَلَا انْفِصَامٍ.




