مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

أَبْوَابُ الْعِرْفَانِ - عِيسَى النَّمِيلِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 49 من 168

كَالسُّرَابِ فِي الْبَرِّ بِالْبِقَاعِ الْوَاطِئَةِ، فَلَا نَشُكُّ إنَّهُ مَاءٌ، فَإِذَا جِئْنَاهُ لَمْ نَجِدْهُ شَيْئًا، وَنَرَى فِي الْبَحْرِ أَيْضًا إذَا أَبْعَدْنَا النَّظَرَ كَأَنَّ آخِرَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ النَّظَرُ كَأَنَّهُ مُلْتَصِقٌ فِي السَّمَاءِ قَرِيبٌ مِنْهَا، وَهُوَ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَنَرَى الْجِبَالَ إذَا كُنَّا فِي أَرْضٍ فَسِيحَةٍ كَأَنَّهَا قَرِيبَةٌ مِنْ السَّمَاءِ وَهِيَ بِخِلَافِ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ فِي الْمَوْجُودَاتِ أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ نُشَاهِدُهَا وَهِيَ بِخِلَافِ مَا فِي نَظَرِنَا»، فَدَلَّ الْقَوْلُ فِي هَذَا أَنَّ الْمَعْنَى لَهُ صُورَةٌ فِي النَّظَرِ وَالْعِيَانِ مِنْ غَيْرِ إِدْرَاكٍ، بَلْ إِنَّمَا رُؤْيَتُهُ فِي النَّظَرِ أَدَقُّ مِنْ الْخَيَالِ، وَلَكِنْ دَلَّتْ أهْلُ الْعِلْمِ عَلَى رُبُوبِيَّتِهِ وَأفعَالِ قُدْرَتِهِ.

وَبِمِثْلِ هَذَا قَالَ سَيِّدُنَا يَسُوعُ فِي الْإنْجِيلِ: «نَزَلْتُ إلْيكُمْ مُتَجَلِّيًا بِالْحِجَابِ، فَأَرَيْتُكُمْ نَفْسِي بِالْبِشْرِ وَالْوِلَادَةِ، ثُمَّ عَمِلْتُ عَمَلَ اللَّاهُوتِ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَكُمْ مَا تَمَيَّزُونَ بِهِ بَيْنَ مَنْ يَفْعَلُ فِعْلَ الْإِلهِيَّةِ وَمَنْ يَفْعَلُ فِعْلَ الْإِنْسَانِيَّةِ»، لِأَنَّ فِعْلَ الْإِلهِيَّةِ الَّتِي أظْهَرَهُ لَهُمْ، بِهَا أَقَامَ الْأَزْمَنَ، وَأَحْيَا الْمَيِّتَ، وَأَبْصَرَ الْأَعْمَى، وَكَلَّمَ الْأَبْكَمَ، وَبَعْدَ هَذِهِ الْأَفْعَالِ مَا فَرَّقُوهُ عَنْ أَحَدِهِمْ، وَأجْرَوا عَلَيْهِ مَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ مِنْ الْخَلْقِ وَالتَّكْوِينِ وَكَذَلِكَ مَوْلَانَا الْعَيْنَ مِمَّا قَدَّمْنَا عَلَيْهِ النَّصَّ فِي الْمَعَاجِزِ السَّمَاوِيَّةِ وَالْأَرْضِيَّةِ الَّتِي تُعْجِزُ جَمِيعَ الْخَلْقِ أَنْ يَأْتُوا بِشَيءٍ مِنْ بَعْضِهَا، وَأَهْلُ الْوَقْفِ وَالْحَيْرَةِ يَنْسُبُونَ مُعَاجِزَهُ وَقُدْرَتَهُ لِلسِّحْرِ وَالْكِهَانَةِ، تَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الضَّالُّونَ.

الصفحة 49 من 168