مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

أَبْوَابُ الْعِرْفَانِ - عِيسَى النَّمِيلِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 29 من 168

الَّذِينَ مَا تَغَيَّرَتْ عَلَيْهِمْ صِفَاتٌ وَلَا خَفِيَتْ عَلَيْهِمْ الْحَقِيقَةُ وَلَا قُلِبَتْ عُقُولُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ: اِظْهَرْ بِمَا شِئْت، كَيْفَ شِئْتَ، أنْتَ أنْتَ رَبُّنَا وَذَلِكَ بِتَوْفِيقِهِ لَهُمْ، حَيْثُ قَالَ لَهُمْ: إنِّي سَأَظْهَرُ رَحْمَةً وَرِفْقًا بِكُمْ وَتَأْنِيسًا لَكُمْ، فَقَالُوا: اِظْهَرْ بِمَا شِئْتَ كَيْفَ شِئْتَ».

فَانْظُرْ يَا أَخِي إِلَى قَوْلِ أَبِي سَعِيدٍ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ الْعَالِمِ مِنْ حِينِ ظَهَرَ الْبَارِئُ لِلْمَلَائِكَةِ بِالثَّلَاثِ صُوَرٍ فِي النُّورَانِيَّةِ، وَوَعَدَهُمْ أنّهُ سَيَظْهَرُ لَهُمْ بِالْبَشَرِيَّةِ، فَدَلَّ الْقَوْلُ أنْ الْبَارِيَ عَزَّ شَأْنُهُ شَاكَلَ الْمَلَائِكَةَ وَالْأَدَمِيِّينَ فِي الْحَالَيْنِ، وَبَايَنَهُمْ فِي الظُّهُورَيْنِ، وَهُوَ فِي قِدَمِهِ لَمْ يَتَجَزَّأْ وَلَمْ يَتَبَعَّضْ وَلَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ كَوْنٌ وَلَا حُدُوثٌ، وَلَكِنّ مِنْ عَدْلِهِ وَإنْصَافِهِ ظَهَرَ لِعَالَمِ النُّورِ بِصُورَةٍ نُورَانِيَّةٍ، وَظَهَرَ لِعَالَمِ الْبَشَرِ بِصُورَةٍ ظِلِّيَّةٍ بَشَرِيَّةٍ، لِكَيْ يَفْهَمَ كُلًّا مِنْهُمْ بِقَدْرِ مَا يَسْتَحِقُّ مِنْ مَعْرِفَةِ مَوْلَاهُ، لِأَنَّ الْجِنْسَ لَا يَفْهَمُ إلَّا عَنْ جِنْسِهِ، وَهُوَ عَزَّتْ قُدْرَتُهُ لَمْ يَزَلْ عَنْ كِيَانِهِ وَإنْ ظَهَرَ لِعِيَانِهِ وَبَيَّنَ ذَلِكَ مَا قَالَهُ أَبُو سَعِيدٍ قَدَّسَهُ الْمَلِكُ الْمَجِيدُ فِي كِتَابِ "الدَّلَائِلِ فِي مَعْرِفَةِ الْمَسَائِلِ" قَوْلُهُ: «إِذَا كَانَ الْبَارِئُ عَزَّ شَأْنُهُ لَا يَظْهَرُ إِلَّا بِذَاتِهِ فَهَلْ كَانَتْ الصُّورَةُ النُّورَانِيَّةُ الَّتِي دَعَاهُمْ بِهَا وَهُمْ أَنْوَارٌ هِيَ الصُّورَةُ الْبَشَرِيَّةُ الَّتِي دَعَاهُمْ بِهَا وَهُمْ أَبْشَارٌ؟ الْجَوَابُ: إنَّ الَّذِي دَعَاهُمْ بِالصُّورَتَيْنِ النُّورَانِيَّةِ وَالْبَشَرِيَّةِ هُوَ وَاحِدٌ، وَهُوَ اللَّهُ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ، الَّذِي لَا يَحُولُ وَلَا يَزُولُ، وَلَا يَتَغَيَّرُ وَلَا يَتَبَدَّلُ، وَلَا يَتَجَسَّمُ وَلَا يَتَصَوَّرُ، عَرَفَهُ مَنْ عَرَفَهُ وَأنْكَرَهُ مَنْ أنْكَرَهُ، وَلَوْ أنَّ الصُّوَرَةَ الْبَشَرِيَّةَ غَيْرَ الصُّورَةِ النُّورَانِيَّةِ، لَسَقَطَ عَنْ مُنْكِرِيهَا الْعَذَابُ، وَكَانَ لَهُمْ فِي إنْكَارِهَا جَزِيلُ الثَّوَابِ، لَأنَّهُمْ أَنْكَرُوا غَيْرَ اللَّهِ وَجَحَدُوا سِوَاهُ، وَاللَّهُ أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يُعَاقِبَ إِلَّا مَنْ جَحَدَهُ».

الصفحة 29 من 168