الْبَابُ الثَّالِثُ فِي مَعْرِفَةِ احْتِجَاجِ الْبَارِي عَزَّتْ قُدْرَتُهُ بِظُهُورِهِ فِي الصُّورَتَيْنِ النُّورَانِيَّةِ وَالْبَشَرِيَّةِ
اِعْلَمْ أَيُّهَا الطَّالِبُ سَبِيلَ هِدَايَتِهِ، الرَّاغِبُ فِي حَقِيقَةِ مَعْرِفَتِهِ، إنَّهُ قَدْ دَلَّتْ كُتُبُ مَوَالِينَا الْمُتَقَادِمِينَ وَالشُّيُوخِ الْمُحِقِّينَ إنَّ الْبَارِيَ عَزَّ شَأْنُهُ ظُهُورَاتُهُ سَمَاوِيةٌ وَأَرْضِيِّةٌ، فَإِذَا قَالَ لَنَا قَائِلٌ: بِمَ اسْتَدْلَلْتُمْ عَلَيْهِ مِمَّا تَقُولُونَ؟
فَنَقُولُ لَهُ مَا قَالَ الْعَالِمُ فِي كِتَابِ الْأَسْوَسِ حَيْثُ قَالَ السَّائِلُ: فَمَا هَذَا التَّنَاتُجُ؟ قَالَ الْعَالِمُ عَزَّ عِزّهُ: «إنَّ هَذَا التَّنَاتُجَ فِي الْمَلَائِكَةِ وَالْأَدَمِيِّينَ، لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ظَهَرَ فِي الْمَلَائِكَةِ حَتَّى ظَنَّت أَنَّهُ مِنْهَا فَقَالُوا تَعَالَوْا نَطْلُبُ رَبَّنَا فَنَعَبِدَهُ وَنَمِيلُ إلَيْهِ بِطَاعَتِنَا، فَقَالَ لَهُمْ وَهُوَ ظَاهِرٌ بَيْنَهُمْ كَهُمْ، مُشِيرًا إلَى نَفْسِهِ، وَقَالَ: يَا هُوَ يَا هُوَ، إِشَارَةٌ مِنْهُ إلَيْهِمْ إنِّي أَنَا رَبُّكُمْ، فَلَمْ يَقُولُوا لَا وَلَا نَعَمْ، حَتَّى أَظْهَرَ عِلْمَهُ وَسُلْطَانَهُ وَكِبْرِيَائَهُ، فَمَنْ بَادَرَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَلَمْ يَقِفْ عَلَى الْكَلَامِ الْأَوَّلِ جَعَلَهُ الرَّئِيسَ عَلَى الْمَلَائِكَةِ، وَهُمْ الْأَشْخَاصُ الْأَرْبَعَةُ الَّذِينَ جَعَلَ فِي أَيْدِيهِمُ التَّدْبِيرَ وَهُمْ جِبْرَائِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَإسْرَافِيلَ وَعِزْرَائِيلَ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ أظْهَرَ آيَاتَهُ وَعِلْمَهُ لِلْمَلَائِكَةِ، فَعَرَفَتْ أَنَّهُ رَبُّهَا بِإِظْهَارِهِ الْقُدْرَةَ وَالْعِلْمَ فَصَارَتْ لَهَا الرِّئَاسَةُ بِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَتِلْكَ الصُّورَةُ مَعْرُوفُةٌ عِنْدَ




