مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى الَّتِي هِيَ لِلْمَعْنَى خَاصَّةً، وَوَاهِبُهَا لِلْمِيمِ، وَهُمْ يُشِيرُونَ إلَى هَذَا الِاسْمِ وَلَا يَعْرِفُونَ الْوَاهِبَ مِنَ الْمَوْهُوبِ، وَلَمْ يَعْلَمُوا الْعَابِدَ مِنْ الْمَعْبُودِ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۚ قُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ﴾(1) فَالسُّمُوَاتُ وَالْأَرْضُ مِنْ خَلْقِ الْمِيمِ إلَيْهِ التَّسْلِيمُ بِأَمْرٍ مَعْنَاهُ، "وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ": أَيْ لَمْ يَعْلَمُوا الْاِسْمَ مِنْ مُسَمِّيهِ، وَلَا الْآمِرَ مِنْ الْمَأْمُورِ.
وَقَدْ سُئِلَ الْعَالِمُ عَزَّ عِزّهُ عَنْ الْمِيمِ وَمَنْزِلَتِهِ مِنْ بَارِيهِ فَأجَابَ: «إنَّهُ بِغَيْرِ نِهَايِةٍ مَحْدُودَةٍ، وَشَيْءٌ لَا يَعْرِفُهَا الْمِيمُ، وَلَا يُحِيطُ بِهَا إجْلَالًا وَإعْظَامًا»، وَإِنَّ مَعْرِفَةَ الْاِسْمِ وَعِلْمَهُ فِي جَنْبِ عِلْمِ الْبَارِي، بِمَنْزِلَةِ الْقَطْرَةِ فِي الْبَحْرِ، مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ وَلَا تَصْغِيرٍ لِلسَّيِّدِ الْمِيمِ، إنْ كَانَ بُدُوُّهُ مِنْ نُورٍ ذَاتُ مَعْنَاهُ، بَاقِي بِبَقَائِهَا، وَدَائِمٌ بِدَوَامِهَا، عَالِمٌ بِعِلْمِهَا، مُحِيطٌ بِإِحَاطَتِهَا لَا يُقَدِّمُهُ شَيءٌ إلَّا مَعْنَاهُ الَّذِي بِدْؤهُ مِنْهُ وَمُعَادَهُ إلَيْهِ، وَاعْلَمْ وَفَّقَكَ اللَّهُ إنَّ الْمَادَّةَ جَرَتْ مِنْ الْمَعْنَى لِلِاسْمِ بِمَنْزِلَةِ النَّظَرِ مِنْ النَّاظِرِ وَالنُّطْقِ مِنْ النَّاطِقِ.
قَالَ سَيِّدُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْخَصِيبِيُّ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ فِي رِسَالَتِهِ "الرُّسْتُبَاشِيَّةِ": «إنَّ الْمَعْنَى جَلَّتْ لَاهُوتِيَّتُهُ لَمَا اخْتَرَعَ الْاسمَ مِنْ نُورِ ذَاتِهِ وَهُوَ أَوَّلُ مُبْتَدَعَاتِهِ، فَسَبَّحَ الْأَزَلُ نَفْسَهُ، فَسَبَّحَهَا الْمِيمُ، وَكَبَّرَ الْمَعْنَى نَفْسَهُ، فَكَبَّرَهَا الْمِيمَ، وَمَجَّدَهَا فَمَجَدَهَا، وَعَظَّمَهَا فَعَظَّمَهَا وَكَرَّمَهَا فَكَرَّمَهَا».




