فَانْظُرْ يَا أَخِي إِلَى قَوْلِ الْمَوْلَى أَنَّ الرُّوحَ فِي النُّورَانِيَّةِ تَظْهَرُ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ حُجُبٍ مِنْ غَيْرِ حُلُولٍ وَلَا إِزَالَةٍ عَنْ جَوْهَرِيَّتِهَا، وَإِلَى قَوْلِهِ إِنَّهَا لَوْ ظَهَرَتْ بِغَيْرِ حِجَابٍ لَأَطْفَأَ نُورَهَا كُلُّ نُورٍ غَيْرِهِ، وَهَكَذَا الْغِلَافُ لَوْ ظَهَرَ لِلْغِلَافِ السُّفْلِيِّ بِغَيْرِ حِجَابٍ لَأَطْفَأَ نُورَهُ كُلَّ نُورٍ غَيْرِهِ.
وَكَذَلِكَ شَيْخُنَا أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ الْخَصِيبِيُّ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ أَخْبَرَ فِي رِسَالَتِهِ "الرُّسْتَبَاشِيَّةِ" «أَنَّ نُورَ اللَّاهُوتِ لَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ إِلَى نُورِهِ، لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلۡجَبَلِ جَعَلَهُۥ دَكّٗا﴾(1) وَالْجَبَلُ هُوَ جِسْمُ مُوسَى، وَالصُّورَةُ الَّتِي كَانَ ظَاهِرًا بِهَا فِي الْبَشَرِيَّةِ، وَالْجِسْمُ جَعْلَةُ دَكًّا لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ إِلَى نُورِ اللَّاهُوتِ، بَلْ تَلَاشَى الْجِسْمُ وَقَامَ مُوسَى بِالنُّورَانِيَّةِ دُونَ الْجُسْمَانِيَّةِ نُورًا مُجَرَّدًا مِنْ هَيْكَلِهِ، وَأمَّا رُؤْيةُ مُوسَى الْهَيْئَاتِ هَيْئَةً وَاحِدَةً، فَلَمَّا كَشَفَ الْحِجَابَ الظِّلِّيَّ بَانَ لِمُوسَى نُورُ اللَّاهُوتِ، وَخَرَّ مُوسَى صَعَقًا، فَانْظُرْ إِلَى مَا شَرَحْنَاهُ مِنَ الْقَوْلِ الْمُتَقَدِّمِ وَمِنْ قَوْلِ شَيْخِنَا أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْخَصِيبِيِّ عَنْ صُورَةِ الظِّلِّ الَّتِي اسْتَتَرَ الْبَارِي بِهَا فَكَانَتْ هِيَ مَوْضِعُ الْإِشَارَةِ، وَمِنْهَا يَكُونُ التَّعْرِيفُ لِذَاتِهِ، لِأَنْ لَا سَبِيلَ لَنَا إِلَّا مِنَ اللَّهُ مِنْ صُورَةِ الْوُجُودِ، وَلَيْسَ لَنَا اسْتِطَاعَةٌ إِلَى نُورِ الذَّاتِ، لِأَنَّ مُوسَى مِنَ النُّورِ أَبْدَاهُ فَمَا اسْتَطَاعَ إِلَى نُورِ اللَّاهُوتِ، بَلْ نَقُولُ إِنَّهُ انْعَدَمَ الْجِسْمُ لِأَنَّ مُوسَى مَعْدِنُهُ النُّورُ، فَلَمَّا تَلَاشَى الْجِسْمُ ظَهَرَ النُّورُ لِلنُّورِ عَلَى قَدْرِ الِاسْتِطَاعَةِ.




