مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

أَبْوَابُ الْعِرْفَانِ - عِيسَى النَّمِيلِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 163 من 168

اِعْلَمْ رَحِمَكَ اللَّهُ إذَا أَرَادَ الْأَزَلُ يَحْجُبَ ذَاتَهُ فَإِنَّ ذَاتَ الْمَعْنَى لَا يُمَازِجُهَا شَيءٌ، بَلِ الِاسْمُ هُوَ حِجَابُ النُّورِ الَّذِي أَشْرَقَ مِنْهُ الْمَعْنَى، وَهُوَ حِجَابُ الِاسْمِ، لِقَوْلِ الْمَوْلَى الصَّادِقِ عَزَّ عِزّهُ: «إذَا أَرَادَ الْمَعْنَى أَنْ يَحْتَجِبَ بِاسْمِهِ فَالْاِسْمُ لَيْسَ هُوَ قَمِيصًا يَلْبَسُهُ، بَلْ يَغِيبُ الْاِسْمُ تَحْتَ تَلَالِي نُورِهِ وَيَظْهَرُ بِمِثْلِ صُورَتِهِ، وَأَرَادَ الْأَزَلُ أَنْ يُظْهِرَ ذَاتَهُ وَأَرَادَ أَنْ يُفْرِدَهَا بِلَا تَجَزِّي وَلَا انْفِصَالٍ، فَكَوَّنَ لِذَاتِهِ ثَلَاثَةُ حَجْبٍ خَاصَّةٌ بِاسْمِ حُجُبِهِ الْأَوَّلَيْةِ، وَهِيَ نُورٌ وَضِيَاءٌ وَظِلٌّ» وَيَجِبُ أَيْضًا أَنْ نُؤْتِيَ فِي بَيَانِهِمْ كَمَا قَدْ أَتَيْنَا فِي بَيَانِ حُجُبِهِ الْأَوَّلِيَّةِ مِمَّا رَوَاهُ الْمَوْلَى الصَّادِقُ عَزَّ عِزّهُ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ: «إنَّ اللَّهَ حَجَبَ ذَاتَهُ بِنُورِهِ، وَحَجَبَ نُورَهُ بِضَيَاهُ، وَحَجَبَ ضِيَاهُ بِظِلِّهِ» فَدَلَّ الْقَوْلُ إنَّ الذَّاتَ مَحْجُوبَةٌ بِثَلَاثَةِ حُجُبٍ: نُورٍ وَضِيَاءٍ وَظِلٍّ، وَأَمَّا صُورَةُ الْوُجُودِ قَامَتْ مِنَ الضِّيَاءِ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيۡفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ وَلَوۡ شَآءَ لَجَعَلَهُۥ سَاكِنٗا﴾(1)، يَعْنِي لَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ غَيْبًا، لِأَنَّ الذَّاتَ اسْتَتَرَتْ بِالنُّورِ، وَالنُّورُ اسْتَتَرَ بِالضِّيَاءِ وَالضِّيَاءُ اسْتَتَرَ بِالظِّلِّ، وَالظِّلُّ جَعَلَهُ قُمُصَ النُّورِ، وَهُوَ صُورَةُ الْوُجُودِ الَّتِي عُرِفَ الْبَارِي بِهَا، وَعَنْهُ مِمَّا قَالَ الْحَكِيمُ مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ الزَّاهِرِيُّ عَنْ الْإمَامِ الْبَاقِرِ عَزَّ عِزّهُ حَيْثُ قَالَ لِبَابِهِ جَابِرٍ: «يَا جَابِرُ، لَا تَصْلُحُ الرُّوحُ الْأَزَلِيَّةُ الْعُلْوِيَّةُ أَنْ تُرَى وَتُوجَدَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ غِلَافٌ فِي جَوْفِ غِلَافٍ، وَغِلَافٌ عُلْوِيٍّ فِي جَوْفِ غِلَافٍ سُفْلِيٍّ، وَهُوَ الْحِجَابُ الظِّلِّيُّ وَهُوَ دُونَ الْعُلْوِيُّ، وَلَوْ ظَهَرَتِ الرُّوحُ الْعُلْوِيَّةُ فِي النُّورَانِيَّةِ بِغَيْرِ حِجَابٍ لَأَطْفَأَ نُورَهَا كُلُّ نُورٍ غَيْرِهِ، وَهَذِهِ الْحُجُبُ يَنْزِلُ بِهَا الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، يَظْهَرُ بِهَا مِنْ غَيْرِ حُلُولٍ وَلَا إِزَالَةٍ عَنْ جَوْهَرِيَّتِهِ».

الهوامش

1()الفرقان: 45
الصفحة 163 من 168