مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

أَبْوَابُ الْعِرْفَانِ - عِيسَى النَّمِيلِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 162 من 168

ظُهُورَ مَوْلَاكَ الْأَزَلُ بَيْنَ خَلْقِهِ عَجِيبٌ، لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا عَالِمٌ خَبيْرٌ، وَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ الصَّعْبُ الْمُسْتَصْعَبُ، يَا مُفَضَّلُ إِنَّ الذَّاتَ لَا يُقَالُ لَهَا نُورًا لِأَنَّهَا مُنِيرَةُ كُلِّ نُورٍ، وَإِنَّ مَوْلَانَا الْقَدِيمَ الْأَزَلَ أَقَامَ الْأَشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ فِكْرٍ وَلَا وَهْمٍ، لِإِظْهَارِ الْمَشِيئَةِ، وَكَوَّنَ الْمُنْشِئِ لِلشَّيْءِ وَهُوَ الْمِيمُ لِلسِّينِ فَأَشْرَقَ مِنْ ذَاتِهِ نُورًا شَعْشَعَانِيًّا لَا تَثْبُتُ لَهُ الْأَنْوَارُ، وَأَظْهَرَ النُّورَ ضِيَاءًا لَمْ بَيُنْ مِنْهُ، وَأَظْهَرَ الضِّيَاءَ ظِلًّا، فَقَامَتْ صُورَةُ الْوُجُودِ بَيْنَ الضِّيَاءِ وَالظِّلِّ، وَجَعَلَ بَاطِنَهَا الضِّيَاءَ وَالنُّورَ، وَالذَّاتُ قَائِمَةٌ بِذَاتِهَا، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيۡفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ وَلَوۡ شَآءَ لَجَعَلَهُۥ سَاكِنٗا﴾(1)، يَعْنِي مَا كَانَ فِيهِ مِنَ الذَّاتِ، فَالصُّورَةُ الْأَنْزَعِيَّةُ هِيَ ذَاتُ الضِّيَاءِ وَالظِّلِّ، وَهِيَ الذَّاتُ الَّتِي لَمْ تَتَجْزَّأْ وَلَمْ تَتَبَعَّضْ وَلَمْ تَتَغَيَّرْ فِي قَدِيمِ الدُّهُورِ، وَلَا فِيمَا يَحْدُثُ فِي الْأَزْمَانِ، وَبَاطِنُهَا الْمَعْنَوِيَّةُ اللَّاهُوتِيَّةُ، وَتِلْكَ الصُّورَةُ هَيُولَى الْهَيُولَاتُ وَفَاعِلَةُ الْمَفْعُولَاتِ وَأُسَّ الْحَرَكَاتِ، مُعِلَّةُ كُلِّ عِلَّةٍ، لَا يَعْلُّهَا شَيْءٌ، وَلَا يَعْلَمُ مَا هِيَ إلَّا هِيَ».

وَبَيَانُ ذَلِكَ يَا أَخِي إنَّ احْتِجَابَ الذَّاتِ يَنْقَسِمُ عَلَى وَجْهَيْنِ، إِذَا أَرَادَ الْأَزَلُ أَنْ يَحْجُبَ ذَاتَهُ يَكُونُ لِذَاتِهِ ثَلَاثَةُ حَجْبٍ يَحْتَجِبُ بِهَا، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُظْهِرَ ذَاتَهُ يَكُونُ لِذَاتِهِ ثَلَاثَةُ حَجْبٍ يَسْتُرُ ذَاتَهُ بِهَا، فَنُحِبُّ أَنَّنَا نَأْتِي فِي بَيَانِهِمْ لِكَيْ لَا يَشْتَبِهَ الْقَوْلُ عَلَى قَارِئِهَا.

الهوامش

1()الفرقان: 45
الصفحة 162 من 168