الَّذِي يُدَبِّرُ صَنْعَتَهُ، وَلَا نَقُولُ إِنَّ حَرَكَتَهُمْ حَرَكَةُ الصَّانِعِ الَّذِي يَصْنَعُ صَنْعَتَهُ مُتَكَلِّفًا بِهَا بِالْجَدِّ وَالْعَنَاءِ، بَلْ نَقُولُ تَجْرِي حَرَكَةُ هَذِهِ الْحَوَاسِّ الْمَذْكُورَةِ مِنْ أَجْرَامِهِمْ الْمُرَكَّزَةِ عَلَى الْأَفْلَاكِ، تُدَبِّرِ أَهْلَ الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ إزَالَةٍ عَنْ كِيَانِهَا، وَهِيَ قُدْرَةٌ مِنْ قَادِرٍ.
فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: مَا الدَّلِيلُ عَلَى قُدْسِ الْمَعْرِفِةِ أَنَّهُ أَعْلَى الْأَكْوَانِ وَأَفْخَرُهَا؟
نَقُولُ لَهُ: كَوْنُ قُدْسِ الْمَعْرِفَةِ الْعَقْلُ، يُحِيطُ بِالْأَكْوَانِ السِّتَّةِ وَيُدِيرُهَا وَيُوَفِّقُهَا، وَالْأَكْوَانُ الَّتِي هِيَ دُونَهُ لَا تُحِيطُ بِهِ وَلَا تُدَبِّرُهُ، وَإِنَّ مَنْ كَانَ فِيهِ الْأَكْوَانُ السِّتَّةُ وَكَوْنُ قُدْسِ الْمَعْرِفَةِ نَاقِصٌ مِنْهُ، يَتِيهُ وَيَعُودُ حَيْرَانًا وَهُوَ لَمْ يَعْرِفْ نَفْسَهُ عَلَى أَيِّ حَالَةٍ، وَلَا يَأْخُذُ كَسْبًا مِنْ عُقُولِ النَّاسِ، وَإِنْ يَكُنْ رَجُلٌ نَحِيلُ الْجِسْمِ قَلِيلَ الْقُوَّةِ وَجَمِيعُ الْأَكْوَانِ الَّتِي مَدَبِّرَةُ جَسَدِهِ نَاقِصٌ مِنْ بَعْضِهَا، وَالْعَقْلُ مُتَّسِعٌ عَلَيْهِ، تَرَى كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ مُحْتَاجِينَ إِلَى مَعَارَقَةٍ، وَلَا يَقَعُ عَلَى قَوْلِهِ جِدَالٌ وَلَا فِي مَعَارِفِهِ اخْتِلَالٌ.
يُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ الزَّاهِرِيِّ فِي كِتَابِ "الْحُجُبِ وَالْأَنْوَارِ" قَوْلُهُ: «إِنَّ الْكَوْنَ النُّورَانِيَّ الْعَقْلِيَّ انْبَجَسَ مِنْ نُورِ الْمِيمِ مِنْ أَرْبَعَةِ آلَافِ جُزْءٍ، يُؤَيِّدُ اللَّهُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ» ثُمَّ قَالَ: «سَأَلْتُ الْعَالِمَ عَنِ الْإِنْسَانِ وَالنَّفْسِ وَالرُّوحِ، فَقَالَ عَزَّ عِزّهُ: إِنَّ الْإِنْسَانَ




