فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: مَا الدَّلِيلُ عَلَى وُقُوعِ هَذِهِ الْآيَاتِ عَلَى النَّيْرَيْنِ؟
نَقُولُ لَهُ: وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ، لَيْسَ يُمْكِنُ صِحَّةُ الْقَوْلِ أَنْ يَقَعَ التَّسْخِيرُ عَلَى الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ، إلَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ أَقْرَبَ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ، وَأَعْلَى دَرَجَةً، وَأَقْرَبَ مِنْهُ إلَى اللَّهِ وَسِيلَةً، مِنْ حَيْثُ إنَّهُمْ يَكُونُونَ مُسَخَّرِينَ لَنَا وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْحَيْرَةِ وَالتَّيْهَانِ وَالشَّكِّ بَعْدَ الْعِرْفَانِ، بَلْ إنَّ التَّسْخِيرَ وَاقِعٌ عَلَى هَذَيْنِ الْحَجَرَيْنِ الْمُسَخَّرَيْنِ بِأَيْدِي بَنِي آدَمَ، وَبِهِمْ تُقْضَى سَائِرُ الْحَوَائِجِ وَاللَّوَازِمِ لِبَنِي آدَمَ، وَبِهِمْ تَقُومُ نُفُوسُ الْجَبَابِرَةِ وَتَعُثُوا نُفُوسُ الْمُتَمَرِّدِينَ الْكَافِرِينَ، وَبِهِمْ يَتَسَلَّطُونَ بِالظُّلْمِ عَلَى مَنْ هُوَ دُونَهُمْ، وَبِهِمْ يَرْتَكِبُونَ دُرُوبَ الْمَعَاصِي وَالْفَوَاحِشِ وَالذُّنُوبِ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ مَا قَالَهُ السَّيِّدُ الْخَصِيبِيُّ فِي رِسَالَتِهِ "الرُّسْتُبَاشِيَّةِ" عَنْ الْمَوْلَى الصَّادِقِ عَزَّ عِزّهُ وَقَوْلُهُ فِيمَا إنَّهُمْ رَسَخُوا فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَرُدِّدُوا فِي الْمَعَادِنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلۡ كُونُواْ حِجَارَةً أَوۡ حَدِيدًا أَوۡ خَلۡقٗا مِّمَّا يَكۡبُرُ فِي صُدُورِكُمۡۚ﴾(1) وَلَمْ يَكُنْ فِي صُدُورِهِمْ أكْبَرُ مِنْ الدَّرَاهِمِ قَدْرًا وَلَا أَرْفَعُ وَلَا أَعْلَى مَنْزِلَةً، وَكَذَلِكَ هُمْ فِي الرَّسْخِ مَحْبُوبُونَ وَعَبَدُوهُمْ وَاتَّخَذُوهُمْ أَرْبَابًا، وَقَالَ الْمَوْلَى عَزَّ عِزّهُ: «مَنْ أَحَبَّ شَيْئًا عَبَدَهُ» وَالْمُحِبُّ لِلَّهِ فَلَهُ يَعْبُدُ، وَمَا فِي نُفُوسِ جَمِيعِ مَعَاشِرِ الطُّغَاةِ أَعْظَمُ قَدْرًا مِنْ هَذَيْنِ الشَّخْصَيْنِ فِي الْبَشَرِيَّةِ وَالرُّسُوخِيَّةِ، وَكُلَّمَا وَصَلَ لَهُمْ شَيْءٌ مِنْ هَذَيْنِ الشَّخْصَيْنِ عَلَى الْأَعَاظِمِ مِنْهُمْ عَظُمَ قَدْرُهُ عَلَيْهِمْ، وَسَمُوْهُ




