الْبَابُ الثَّامِنَ عَشَرَ فِي مَعْرِفَةِ الَّذِينَ وَقَعَ عَلَيْهِمُ التَّسْخِيرُ فِي أَسَامِي النَّيِّرَيْنِ وَفَرْقِ حَدَّيْهِمَا عَنْ حَدَّيْ النَّيْرَيْنِ
اِعْلَمْ رَحِمَكَ اللَّهُ إِنَّا نَرَى مَنْ يُجَادِلُ فِي أَيَادِي التَّسْخِيرِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ، بِأَنَّ دَلِيلَ وُقُوعِهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَلَى هَذَيْنِ النَّيْرَيْنِ الَّلذَيْنِ تَبَيَّنَ لَنَا مَعْرِفَتُهُمَا بِمَا تَقَدَّمَ بِهِ الْقَوْلُ، فَلَمَّا عَلِمْنَا مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْفِكْرُ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ، أَحْوَجْنَا قِسْمُ الضَّرُورَةِ أَنْ نَأْتِيَ فِي بَيَانِ مَا اشْتَكَلَ عَلَى الْخَلْقِ مَعْرِفَتُهُ، وَنُبَيِّنَ مَعْرِفَتَهُ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ فِي الْآيَاتِ، وَفَرْقِ حُدُودِهِمَا عَنْ النَّيْرَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي سُورَةِ إبْرَاهِيمَ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ دَآئِبَيۡنِۖ﴾(1)، وقَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ وَٱلنُّجُومُ مُسَخَّرَٰتُۢ بِأَمۡرِهِۦٓۚ﴾(2) وَفِي سُورَةِ الْفَاطِرِ: ﴿وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ﴾(3) وَمِثْلُ هَذَا آيَاتٌ عَدِيدَةٌ، فَيَعْلَمُ الْوَاقِفُ عَلَى الْآيَاتِ إِنَّ جَمِيعَ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ ذِكْرُ التَّسْخِيرِ فِي جَمِيعِ الْآيَاتِ الَّتِي أَتَى بِذِكْرِهَا الْبَارِي عَزَّ عِزّهُ لَيْسَتْ هِيَ عَلَى الْأَنْوَارِ السَّمَاوِيَّةِ، لِأَنَّ الْأَنْوَارَ السَّمَاوِيَّةَ عِنْدَ الْعَارِفِينَ عَالَمُ النُّورِ، هُمْ عَالَمُ الْبَقَاءِ، وَمَعْصُومِينَ مِنَ الدَّنَسِ وَمِنَ الْعَيْبِ وَالرِّيبِ، لَا يُشَاوِبُهُمْ كَدَرٌ وَلَا يُمَازِجُهُمْ ضَرَرٌ، مُخَيَّرُونَ غَيْرُ مُضْطَرِّينَ، وَمُحَقَّقٌ عِنْدَ الْعَارِفِينَ أَنَّ مِنْهُمْ الْخَمْسَةَ آلَافٍ الْعَالَمُ النُّورَانِيُّ، وَالْمَائَةُ أَلْفٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ أَلْفٍ الْعَالَمُ الرُّوحَانِيُّ.




