فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: إِنَّ قَوْلَنَا هَذَا يَجِيئُ فِي فَسَادِ الْحِكْمَةِ، وَتَعْطِيلٌ عَلَى قَوْلِ صَاحِبِ كِتَابِ "الْمَرَاتِبِ وَالدُّرُجِ".
نَقُولُ لَهُ: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ كَمَا تَقُولُ، بَلْ إنَّمَا الْمُرَادُ عَلَى الْمُمْكِنِ، وَلَيْسَ أَرَادَ صَاحِبُ كِتَابِ "الْمَرَاتِبِ وَالدُّرُجِ" أَنْ يُثْبِتَ الْقَوْلَ عَلَى هَذَيْنِ النَّيْرَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ إِنَّهُمَا نَوْفَلُ بْنُ الْحَارِثِ وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، بَلْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ إنَّهُمَا سُمِّيَ بِهَذَيْنِ الْاِسْمَيْنِ لِاقْتِبَاسِهِمَا مِنْ هَذَيْنِ النَّيْرَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ، لِأَنَّ جَمِيعَ مَا يَأْتِي فِي الْقَوْلِ مِنْ الْخَلْقِ وَالتَّكْوِينِ وَالتَّقْدِيرِ وَالْعَجْزِ الَّذِي يَقَعُ عَلَى النَّيْرَيْنِ، فَهُوَ وَاقِعٌ عَلَى هَذَيْنِ الْاِسْمَيْنِ نَوْفَلُ بْنِ الْحَارِثِ وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَيَكُونُ هَذَانِ النَّيرَانِ مُنَزَّهَيْنِ عَنْ هَذِهِ الْأَوْصَافِ، كَمَا إنَّ الْخِطَابَ الَّذِي ذَكَرَ بِهِ آدَمُ الَّذِي هُوَ الْمِيمُ، وَاقِعٌ عَلَى الْمُنَبَّأِ الَّذِي هُوَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، كَمَا إنَّهُ رُوِيَ إنَّ خِطَابَ جِبْرَائِيلَ عِنْدَ أَهْلِ الظَّاهِرِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَيُبَلِّغُ بِهِ الرَّسُولَ، وَالرَّسُولُ يُبَلِّغُ بِهِ الْعَيْنَ وَعِنْدَ الْمُحِقِّينَ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَلَوْ جَازَ أنِّ الْأَمْرَ كَمَا ظَنَّ أَهْلُ الظَّاهِرِ لَجَازَ أَنْ يَكُونَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ هُوَ الْاِسْمُ، وَيَكُونُ جِبْرَائِيلُ أَقْرَبَ إِلَى اللَّهِ مِنْ الرَّسُولِ، وَيَكُونُ الْعَيْنُ مُتَعَلِّمًا لَيْسَ عَلِيْمَاً، وَهَذَا غَيْرُ مُمْكِنٍ عِنْدَ الْعَارِفِينَ، وَهُوَ تَلْبِيسٌ عَلَى أَهْلِ الظَّاهِرِ، وَكَذَلِكَ تَسْمِيَةُ هَذَيْنِ الشَّخْصَيْنِ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ وَمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ بِالشِّينِ وَالْقَافِ تَحَجُّبَاً وَاِسْتِتَارًا عَلَى النَّيْرَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ، لِأَنَّ السِّرَّ الْخَطِيرَ لَا يُبَاحُ لِلَجْمِّ الْغَفِيرِ . . . . . . .




