الصَّفَا فِي دُرُجِ الْإِيمَانِ، فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ لَنَا أَنَّا نَرَى مَنْ أَقَرَّ بِصُورَةِ الطِّفْلِ وَالشَّابِّ وَالشَّيْخِ، وَلَيْسَ عَايَنَ مِنْهُمْ إلَّا مِثْلُ مَنْ أَنْكَرَ وَلَايَتَهُمْ. فَنَقُولُ لَهُ نَحْنُ نَدُلُّ أَنَّ مَنْ كُشِفَ عَنْهُ حِجَابُ الظُّلمَةِ، وَصَفَا بِنُورِ الْإِيمَانِ وَقَرَنَ مُعَارِفَهُ النَّاجِحَةِ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، كَانَ مِمَّنْ أَجَابَ النِّدَاءَ فِي أَوَّلِ الْبَدَا، وَكَانَ مُجِيبًا لِلْأَوَامِرِ الْإلْهِيَّةِ وَمُنْهِيًا عَنْ الْمَنَاهِي الرَّدِيَّةِ، وَكَانَ مِنْ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتۡ لَهُم مِّنَّا ٱلۡحُسۡنَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ عَنۡهَا مُبۡعَدُونَ﴾(1)، يَعْنِي عَنْ جَهَنَّمَ، لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا، وَهُمْ فِيمَا اِشْتَهَتْ أنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ، فَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ طَرِيقَتُهُ وَصَفْوَ حَقِيقَتِهِ، فَهُوَ الَّذِي انْكَشَفَ عَنْهُ حِجَابُ الظَّلْمَةِ، وَتَمَكَّنَ مِنْ الاِرْتِقَاءِ إِلَى عَالَمِ الْبَقَاءِ وَصَارَ يَرَى فِي اللَّهِ، وَيَسْمَعُ فِي اللَّهِ، وَعَرَفَ الْحَقَائِقَ الْكَوْنِيَّةَ وَالأسْمَائِيَّةَ وَانْتَهَى إِلَى الْبَابِ، وَعَرَفَ مَنْزِلَةَ الْحِجَابِ، فَهُوَ الَّذِي قَالَ فِيهِ «يَرَى اللَّهَ فِي صُورَةِ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ كَمُوسَى، وَكَالطِّفْلِ الصَّغِيرِ كَعِيسَى، وَكَالشَّابِّ الْمُؤَنَّقِ الْمَفْتُولِ السَّبَّالِ كَمُحَمَّدٍ، وَمِنْ هُنَاكَ يُشَاهِدُ الصُّورَةَ الْمَرْئِيَّةَ الْأَنْزَعِيَّةَ الَّتِي لَمْ تَزَلْ عَنْ كِيَانِهَا وَإنْ ظَهَرَتْ لِعِيَانِهَا» فَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ مَثَابَتُهُ، فَيَقْتَبِسُ مَعْرِفَتُهُ مِنْ عِلْمِ الْمَلَائِكَةِ، عَالَمِ النُّورِ، لِأَنَّ مَعْرِفَةَ عَالَمِ النُّورِ بِصُورَةِ الطِّفْلِ وَالشَّابِّ وَالشَّيْخِ، لَيْسَتْ كَمَعْرِفَةِ أهْلِ الْمِزَاجِ وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعۡدُ بِحَمۡدِهِۦ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ مِنۡ خِيفَتِهِۦ﴾(2)، وَنَحْنُ لَمْ نَفْهَمْ تَسْبِيحَهُمْ وَإِشَارَاتِهِمْ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمۡدِهِۦ
1()الأنبياء: 101
2()الرعد: 13




