الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي مَعْرِفَةِ اخْتِلَافِ الشِّيعَةِ
أَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ لَمَّا رَأَيْتُ بَعْضَ الشِّيعَةِ الْخَصِيبِيَّةِ وَالْفُرْقَةَ النُّمَيْرِيَّةِ وَقَعَ بَيْنَهُمْ الِاخْتِلَافُ وَالِاقْتِرَافُ، وَتَشَعَّبُوا طَرَائِقَ، وَتَفَرَّقُوا شَرَائِعَ وَكَثُرَ بَيْنَهُمْ الْجِدَالُ وَالْمُقَارَفَةُ وَالْحِقْدُ وَالْمُخَالِفَةُ، وَكَثُرَتْ بَيْنَهُمُ النَّمِيمَةُ وَالْغِيبَةُ وَالتَّهِيمَةُ، وَتَجَاهُرُ بَعْضُهُمُ عَلَى بَعْضٍ بِالْغِيبَةِ وَالْقَرْضِ وَالْمِذَمَةِ وَالْبُغْضِ، تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ فِي رَأْيِهِ مَبْتُولٌ، وَفِي ظَنِّهِ مَشْغُولٌ ظُنُونُهُم فَاسِدَةٌ وَقُلُوبُهُم جَاحِدُةٌ، يَجْعَلُ أَحَدُهُمْ ظَنَّهُ مَوضِعَ سَبِيلَهِ كَيْفَ سَوَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَضَاهُ، وَرَأَيْتُ كَثِيرًا بِعَصْرِنَا مِمَّنْ يَدَّعِي بِالْعُلُومِ الشَّافِيَةِ وَالْأَسْرَارِ الْخَفِيَّةِ، وَيُوْسِمُ مَا تَضَمَّنَتْ نَفْسُهُ فِي كِتَابٍ، وَيَجْعَلُهُ طَرِيقًا لِمَنْ بَعْدَهُ مِنَ الطُّلَّابِ.
وَيُضِيفُ إِلَيْهِ مِنَ الْأَقْوَالِ الْمُتَشَابِهَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُزَخْرَفَاتِ مَا يُزِيغُ بِهِ قُلُوبَ الضُّعَفَاءِ، وَيُقَوِّي بِهِ عُنْصُرَ السُّفَهَاءِ، فَكَانَ إذَا وَقَعَ أَوْ وَقَفَ بَعْضُهُمْ عَلَى كِتَابٍ يَقْرَأُهُ، يَتَمَسَّكُ مِنْهُ بِمَا يَهْوَاهُ وَلَوْ كَانَ بِهِ مَا يُزِيحُهُ عَنْ سَبِيلٍ رُشْدِهِ وَهُدَاهُ، وَيُحَرِّفُونَ الْعُلُومَ بِرَأْيِهِمْ وَيَقِيسُونَهَا بِهَوَاهُمْ، وَقَدِ اقْتَصَرْتُ عَنْ بَعْضِ أَفْعَالِهِمْ وَمَا تَضَمَّنَتْ أَقْوَالُهُمْ، وَنَرْجِعُ إِلَى مَا عَلَيْهِ اِعْتِمَادُنَا مِنْ إِقَامَةِ الْحَقِّ وَالْأَقْوَالِ بِالصِّدْقِ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ مَوَالِينْا الْأَئِمَّةُ الطَّاهِرِينَ عَزَّ عِزّهمُ وَمَا أَرْشَدُونَا إِلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ الْمُبِينِ، تَعْرِيفًا لِمَنْ يُقِرُّ وَيَشْهَدُ بِظُهُورِ الْبَارِي عَزَّتْ آلَاؤُهُ وَتَقَدَّسَتْ أسْمَاؤُهُ




