الْبَابُ الْخَامِسَ عَشَرَ فِي مَعْرِفَةِ نِدَاءِ الْبَارِي لِلْخَلْقِ وَمَعْرِفَةِ أَهْلِ الْإِجَابَةِ مِنْ أَهْلِ الإنْكَارِ
فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ مُسَائِلًا عَنْ نِدَاءِ الْبَارِي عَزَّ شَأْنُهُ: أَكَانَ لِنَاسٍ دُونَ نَاسٍ غَيْرِهِمْ؟ أَمْ هُوَ لِلْخَلْقِ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ؟ وَكَيْفَ وَقَعَ الْخِلَافُ بَيْنَهُمْ حَتَّى أَجَابُوهُ أُنَاسٌ وَأنْكَرَهُ أنَاسٌ آخَرُونَ؟
الْجَوَابُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ حَيْثُ قالَ تَعَالَى: ﴿أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ﴾(1) مَعْنَاهُ إنَّهُ كَانَ ظُهُورَهُ لِلْخَلْقِ فِي فَرْدِ حَالٍ مِنْ غَيْرِ اِسْتِتَارٍ، يُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا قَالَهُ الْمَوْلَى الصَّادِقُ عَزَّ عِزّهُ فِي كِتَابِ "الْمَرَاتِبِ وَالدُّرُجِ" قَالَ: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ رُوحَانِيِّينَ، لَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ وَلَا يُولَدُونَ ذَوِي أَجْسَامٍ نُورَانِيَّةٍ، وَظَهَرَ فِيهِمْ عَلَى هَيْأَتِهِمْ وَأَشْكَالِهِمْ، وَأظْهَرَ لَهُمُ الْقُدْرَةَ الْبَاهِرَةَ وَالْحُجَّةَ الْبَالِغَةَ وَالْعَلَامَةَ النَّيِّرَةَ، وَجَعَلَهُمْ يُشَاهِدُونَهُ وَيَرَوْنَهُ وَيَنْظُرُونَ إلْيْهِ وَيَسْمَعُونَ كَلَامَهُ وَيَعْرِفُونَ قُدْرَتَهُ وَيَعْلَمُونَ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ، ثُمَّ إنَّهُ دَعَاهُمْ إلَى مَعْرِفَتِهِ وَوَحْدَانِيَّتَهِ، وَالْإِقْرَارِ بِرُبُوبِيَّتِهِ وَأعْطَاهُمْ مِنَ الْعِلْمِ مَا يَفْصِلُونَ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَالْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَالطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ، فَأجَابَ مِنْهُمْ مَنْ أَجَابَ، وَعَصَاهُ مَنْ عَصَاهُ، فَكَانَ الَّذِينَ أَجَابُوا لِلإقْرَارِ بِرُبُوبِيَّتِهِ وَالطَّاعَةِ وَالْمَعْرِفِةِ




