وَقَالَ سَمَنْدِيَارُ النَّصُولِيُّ الْمَوْصِلِيُّ فِي رِسَالَتِهِ أَنَارَ اللَّهُ بُرْهَانَهُ: اعْلَمْ يَا حَاتِمُ الْأَمِينِ، ذَا الْعَقْلِ الرَّصِينِ، أَنَّ النَّفْسَ قُوَّتُهَا بِيَدِ اللَّهِ، فَهِيَ غَيْرُ خَارِجَةٍ عَنْ حَبْلِ اللَّهِ، لَيْسَ لَهَا مِنْهُ مَنَاصٌ وَلَا خَلَاصٌ، حَابِسَةٌ لِلطَّبَائِعِ الذَّاتِيَّةِ، قَابِلَةٌ لِلطَّبَائِعِ الْفَانِيَةِ، تُخَلِّقُ مَا جَدَّ مِنْهَا بِإِنْصَافٍ فَتَحُلُّهَا وَلَا تَحْوِيهَا فَتُخْفِيهَا، مَثَلُهَا فِي الِاشْتِرَاكِ كَالنَّوَاةِ فِي الْأَشْجَارِ، مُتَّصِلَةٌ بِالْمَعْرِفَةِ وَالْإِقْرَارِ، مُنْفَصِلَةٌ بِالتَّخَلُّقِ وَالْأَفْكَارِ، فَاشْهَدْ بِجِدٍّ وَصْفَهَا بِهَا بِمُقَارَنَةِ إِخْلَاصِهَا وَاقْرَعْ بِحُجُبِ الْحَوَاسِّ الْجُسْمَانِيَّةِ زِنَادَ غَايَةِ الصِّفَةِ عَلَىٰ انْحِرَافِ نِهَايَةِ الْمَعْرِفَةِ، فَالسَّعِيدُ مَنِ اتَّمَّهَا بِمَرْتَبَةِ الْعِنَايَةِ الْكَافِيَةِ وَلَاءَهَا، وَبِالْكِفَايَةِ اغْتَنَتِ الدِّرَايَةُ، وَاسْتَيْقَظَ مِنْ سِنَةِ نَوْمِهِ وَاسْتَرْجَعَ فَائِتَ أَمْسِهِ لِيَوْمِهِ، وَوَضَعَ بِمَوْضِعِهِ عَلَىٰ صَدْرِهِ أَمْرَ عَقْلِهِ، فَإِذَا انْجَلَتْ عَنْهَا الْآثَارُ تَجَلَّتْ لَهَا الْأَسْرَارُ، نَظَرَهُ إِلَىٰ مِشْكَاةِ نَفْسِهِ وَقَطَعَ بِهَا ظُلُمَاتِ حِسِّهِ وَخَرَجَ عَنْ إِدْرَاكِ الْأَرْكَانِ الْأَرْبَعَةِ، فَتَجَرَّدَ عَنْ طَبْعِهِ وَامْتَطَىٰ بِنَفْسِهِ مِنْ رَقْدَتِهِ إِلَىٰ مُنْتَهَىٰ سِدْرَتِهِ، فَيَعُودُ إِلَىٰ بُشْرَىٰ هِدَايَتِهِ وَإِشْرَاقِ بِدَايَتِهِ، غَارِبًا فِي تَغْرِيرِهِ يُسَطِّرُ تَحْقِيقَ الْغَيْبَةِ عَنْهَا حَيْثُ بِنِسْبَةِ الِاسْتِعْدَادِ بِهَا لِقَبُولِ الْمَعْقُولَاتِ، فَيَنَالُ الْمَقَامَ الْأَعْلَىٰ وَيَتَوَلَّىٰ الْمَنْزِلَ الْأَسْنَىٰ، وَيَذُوقُ اللَّذَّاتِ الْقُصْوَىٰ، وَيَتَوَلَّىٰ مَنْ هُوَ عَنْ هَوَىٰ نَفْسِهِ زَاجِرٌ وَنَاهٍ، وَلَا يَنْقَطِعُ مِنْهُ نَفَسُ الْمَلَكُوتِ حَتَّىٰ يَتَجَلَّىٰ لَهُ اللَّاهُوتُ، وَيَقْبِضَ عَلَىٰ السَّكِينَةِ وَيَحِقُّ لَهُ الطُّمَأْنِينَةُ، وَيَأْمَنُ الزَّلَّةَ وَيَتَفَرَّعُ بِالْحِلَّةِ، وَيَتَّصِفُ بِصِفَاتِ الْمَلَائِكَةِ وَيَتَصَرَّفُ بِهَا تَصَرُّفَ الْمَلَكِيَّةِ، وَيَقْطَعُ الْأَطْيَارَ الْأَرْبَعَ وَيَدْعُوهُنَّ إِلَيْهِ يَأْتِينَهُ سَعْيًا، وَيَطَّلِعَ عَلَىٰ الْعَالَمِ اطِّلَاعًا بِلَا وَهْمٍ، وَهَذِهِ الطَّرَائِقُ الْوَاضِحَةُ وَالدَّلَائِلُ اللَّائِحَةُ، فَاحْذَرْ مِنْ أَضْدَادِهَا تَنَلِ السَّعَادَةَ الْأَبَدِيَّةَ وَتَفُزْ بِالْحَيَاةِ الْحَقِيقِيَّةِ.




