وَمَثَلُ هَذَا قَوْلُ النَّبِيِّ عزَّ عِزُّهُ: "إِنَّ مَثَلَ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ النَّحْلَةِ، إِنْ أَكَلَتْ أَكَلَتْ طَيِّبًا وَإِنْ شَرِبَتْ شَرِبَتْ طَيِّبًا، وَإِنْ وَضَعَتْ وَضَعَتْ طَيِّبًا، فَإِذَا كَانَ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ نَزَلَتِ الرُّوحُ الطَّيِّبَةُ وَهِيَ رُوحُ الْإِيمَانِ النُّورَانِيَّةُ الَّتِي هِيَ مِنْ نُورِ اللَّهِ خُلِقَتْ، فَانْتَشَتْ فِي الْبَدَنِ بَعْدَ سُقُوطِهِ مِنَ الرَّحِمِ وَالْبَطْنِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَحْزَنُ وَيَبْكِي، وَذَلِكَ مِنْ عَلَامَةِ الْخَيْرِ لِأَنَّ الرُّوحَ الطَّيِّبَةَ إِنَّمَا نَزَلَتْ مِنَ الرَّوْحِ وَالرَّيْحَانِ مِنْ جِوَارِ الرَّحْمَنِ، وَصُيِّرَتْ فِي هَذَا الْبَدَنِ الَّذِي هُوَ سِجْنُ الْمُؤْمِنِ، وَلِذَلِكَ يَحْزَنُ عِنْدَ نُزُولِهِ، فَإِذَا رَأَيْتَ الْوَلَدَ عِنْدَ سُقُوطِهِ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ حَزِينًا فَاعْلَمْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ عَلَامَةِ الْإِيمَانِ، فَإِنْ تَمَّتْ لَهُ الْمَعْرِفَةُ وَاحْتَمَلَ الْمِحْنَةَ بِكَمَالِهَا فَإِنَّهُ يَخْلُصُ، وَإِذَا خَرَجَ مِنْ هَذَا الْبَدَنِ وَتَبَقَّىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الْمِحْنَةِ فَهُوَ مَرْدُودٌ حَتَّىٰ تَكْمُلَ لَهُ الْمَعْرِفَةُ".
ثُمَّ قَالَ الْعَالِمُ عزَّ عِزُّهُ: "أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَالْأَرْوَاحُ إِنَّمَا هِيَ فِي الْعُلُوِّ إِلَّا مَا كَانَتْ فِي الْجَنَّةِ، وَأَرْوَاحُهُمْ لَا تَسْكُنُ ضِيقَ الْأَرْحَامِ وَلَا ظُلْمَةَ الْبَطْنِ".
قَالَ مَوْلَانَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عزَّ عِزُّهُ: "لَمْ يَسْكُنُوا الْأَصْلَابَ وَلَا ضَمَّتْهُمْ ظُلْمَةُ الْأَرْحَامِ وَلَا خُلِقُوا مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ وَهُوَ الْعَمَلُ الْقَبِيحُ، بَلْ خُلِقُوا مِنْ مَاءٍ مَعِينٍ وَهُوَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فَالْأَرْوَاحُ كَهَيْئَةِ الْأَجْسَامِ رَقِيقَةٌ نُورَانِيَّةٌ، لَا يُدْرِكُهَا إِلَّا مَنْ كَانَ فِي رِقَّتِهَا وَنُورَانِيَّتِهَا، لِأَنَّ الْكَثِيفَ لَا يُدْرِكُ اللَّطِيفَ، وَاللَّطِيفُ لَا يُدْرِكُ الْكَثِيفَ، فَهَذِهِ صِفَةُ أَرْوَاحِ الْمُؤْمِنِينَ وَنَقْلَتُهُمْ فِي الْأَبْدَانِ".




