الْوَجْهُ الثَّالِثُ: مَنْ عَرَّفَ نَفْسَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ عَرَفَ رَبَّهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وَهَذَا أَعْدَلُ شَاهِدٍ عَلَىٰ وَحْدَانِيَّتِهِ تَعَالَىٰ لِقُرْبِهَا مِنْهُ، وَأَصْدَقُ رَائِدٍ يُخْبِرُ لِبُعْدِهَا عَنِ التُّهْمَةِ، فَإِذَا بَرِئَتْ مِنْ حَوْلِهَا وَقُوَّتِهَا وَتَحَقَّقَتْ عَجْزَهَا مِنْ اخْتِلَافِ مَنَافِعِهَا وَاجْتِنَابِ مَضَرَّاتِهَا، وَعَلِمَتْ أَنَّ لَهَا صَانِعًا يُدَبِّرُهَا وَحَكِيمًا يَتَصَرَّفُ فِيهَا بِمَشِيئَتِهِ، لَا رَيْبَ فِي وُجُودِهِ وَلَا شَكَّ فِي وَحْدَانِيَّتِهِ، فَقَدْ وَصَلَتْ إِلَىٰ مَعْرِفَةِ رَبَّهَا بِالتَّحْقِيقِ، وَدَانَتْ لَهُ بِحُكْمِ التَّصْدِيقِ.
الْأَدْنَىٰ مَوْقِعُ صِفَاتِ الْأَعْلَىٰ، وَلَا شَيْءَ عَنْ شَيْءٍ تَقَسُّمًا، وَكُلٌّ فَعَنْ ظِلِّ الَّذِي مِنْهُ أَقْدَمُ، وَجَاءَ فِي التَّفْسِيرِ لِأَهْلِ التَّوْحِيدِ أَنَّ النَّارَ الْمَحْمُودَةَ هِيَ الْحَضْرَةُ الْقُدْسِيَّةُ الْأَيْتَامُ الْأَرْبَعَةُ بِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَىٰ سِرِّ الْمَكْنُونِ، كُلُّهُمْ وَاحِدٌ مِنْ حَيْثُ السِّرِّ، وَبِافْتِرَاقِ شَخْصِيَّاتِهِمْ كُلٌّ مِنْهُمْ لِوَحْدِهِ، وَالرُّوحُ الْقُدْسِيَّةُ أَصْلُ السِّرِّ الَّذِي هُوَ إِلَهِيٌّ، فَقَدَ أَوْدَعَهَا عِلْمَهُ فَالْقُلُوبَ جَذّبَهُ (1)، وَالسِّرُّ الْإِلَهِيُّ هُوَ الْجَاذِبُ لَهَا.
وَقَالَ أَيْضًا فِي كِتَابِ التَّنْبِيهِ فِي بَيَانِ وَحْدَةِ النَّفْسِ: اعْلَمُوا إِخْوَانِي يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ أَنَّ حَقِيقَةَ الْإِنْسَانِ الَّتِي هِيَ خَاصَّتُهُ وَبِهَا يَمْتَازُ عَنْ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ، وَهِيَ حَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ




