وَلِهَذَا قَالَ الْعَالِمُ عزَّ عِزُّهُ: "أَعْرَفَكُمْ بِنَفْسِهِ أَعْرَفَكُمْ بِرَبِّهِ، وَأَجْهَلَكُمْ بِنَفْسِهِ أَجْهَلَكُمْ بِرَبِّهِ".
وَقَالَ ابْنُ مَكْزُونٍ بِرِسَالِةِ تُزَكِّيَةِ النَّفْسِ: وَحَوَاسُّ الرَّأْسِ الْخَمْسَةِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي هِيَ: السَّمْعُ، وَالْبَصَرُ، وَالشَّمُّ، وَالذَّوْقُ، وَاللَّمْسُ، فَكَمَا أَنَّهَا تُفِيدُ النُّفُوسَ عَالَمَ الْمَحْسُوسَاتِ كَذَلِكَ أَفَادَتْهَا أَشْخَاصُ الْعَقْلِ فِي تَجَلِّيهِ لِعَالَمِ الْمَعْقُولَاتِ، وَمَادَّتِهَا مِنَ الْحَوَاسِّ الْبَاطِنَةِ الَّتِي تُشَاهَدُ بِهَا الْمُغَيَّبَاتُ، وَتُتَصَوَّرُ بِهَا الْمُمْكِنَاتُ وَالْمُسْتَحِيلَاتُ، وَهِيَ: الْمُخَيِّلَةُ وَالْمُفَكِّرَةُ وَالْمُذَكِّرَةُ، وَالْحَافِظَةُ، وَالْعَاقِلَةُ، ﴿وَفِي الِارْضِ ايَاتٌ لِلْمُونَقِّنِينَ وَفِي انْفُسِكُمْ افْلَا تُبْصِرُونَ﴾(1).
وَمِنْ رِسَالِةِ غَنِيمَةِ السَّفْرِ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَبِالْجُمْلَةِ وَالتَّفْصِيلِ، إِنَّ جُمْلَةَ الْأَرْوَاحِ الطَّيِّبَةِ الْإِيمَانِيَّةِ أَصْلُهَا وَاحِدٌ، وَمَعْدِنُهَا وَاحِدٌ، فَلَا تَفَاضُلَ بَيْنَهُمْ غَيْرَ السَّبْقِ وَالْإِجَابَةِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَىٰ: ﴿يُسَالُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ امْرِ رَبِّي﴾(2)، وَكَذَلِكَ الْأَرْوَاحُ الْخَبِيثَةُ وَالنُّفُوسُ الشَّيْطَانِيَّةُ الْخَبِيثَةُ أَصْلُهَا وَاحِدٌ، وَعُنْصُرُهَا وَاحِدٌ، وَمَبْدَؤُهَا الْمُخَالَفَةُ، وَعُنْصُرُهَا الْكَدَرُ، فَلَا تَفَاضُلَ بَيْنَهُمْ فِي الْكُفْرِ غَيْرَ زِيَادَةِ الْمُخَالَفَةِ وَالتَّكْذِيبِ وَالتَّكَبُّرِ عَلَىٰ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَىٰ، عَلَىٰ تَغْيِيرِ الْقَوَانِينِ عَنْ أُصُولِهَا، وَهُمْ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ مُمْتَزِجِينَ فِي الصِّفَةِ الْبَشَرِيَّةِ عَلَىٰ حَالٍ وَاحِدٍ وَهَيْئَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ جِهَةِ الصِّفَةِ الْبَشَرِيَّةِ، وَلَكِنَّهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِي اتِّبَاعِ السُّبُلِ وَالْمَيْلِ إِلَىٰ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ.




