مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

الْعَسَلُ فِي مَعْرِفَةِ الْأَزَلِ - سَلْمَانُ طَاهِرُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 77 من 261

وَقَالَ جَلَالُ الدِّينِ الصُّوفِيُّ يَرْوِي الْخَبَرَ عَنْ بَعْضِ الْحُكَمَاءِ الْإِلَهِيِّينَ: إِنَّ الْحِسِّيَّاتِ مَعَابِرٌ إِلَىٰ الْعَقْلِيَّاتِ، وَإِنَّ عَالَمَ الشَّهَادَةِ مِثَالٌ لِعَالَمِ الْغَيْبِ، فَكُلُّ مَا فِي عَالَمِ الْمَلَكُوتِ هُوَ غَائِبٌ عَنْ عَالَمِ الشَّهَادَةِ، فَلَا نَفْهَمُهُ وَلَا نَصِلُ إِلَىٰ عِلْمِهِ إِلَّا بِمِثَالٍ فِي عَالَمِنَا الَّذِي نُشَاهِدُهُ وَنَعْقِلُهُ، فَنَعْلَمُ حِينَئِذٍ مَعَانِيَ مَا غَابَ بِمَا حَضَرَ لُطْفًا مِنَ الْبَارِي جَلَّتْ قُدْرَتُهُ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا كُنَّا نَفْهَمُ تِلْكَ الْأَسْرَارَ وَلَمْ نَعْقِلْ تِلْكَ الْأَنْوَارَ، وَإِنَّ هَذِهِ الطَّبَائِعَ الْأَرْبَعَةَ أُنْشِئَتْ عَلَىٰ مِثَالِ الْمِثَالِ الْمَنْجَرِيِّ وَالْيَنْبُوعِ الْكُلِّيِّ وَالْجَوْهَرِ الْأَصْلِيِّ الصَّادِرِ عَنْ إِشْرَاقِهِ التَّثْلِيثُ وَالتَّرْبِيعُ، وَعَنْ ظِلِّهِ كَانَ الزَّمَانُ، وَلِهَذَا قِيلَ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَىٰ مِثَالِ صُورَتِهِ.

وَقَالَ مَوْلَانَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَزَّ عِزُّهُ بِكِتَابِ "الطَّاعَةِ": "مَا مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا وَلَهُ مِثَالٌ فِي السَّمَاءِ، وَإِنَّ هَذِهِ الْحَوَاسَّ الْخَمْسَةَ الَّتِي هِيَ فِي الْإِنْسَانِ، يَعْنِي السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالشَّمَّ وَالذَّوْقَ وَاللَّمْسَ، لَابُدَّ لَهَا مِنْ أَشْخَاصٍ عَقْلِيَّةٍ حَسَّاسَةٍ دَرَّاكَةٍ مُوَكَّلَةٍ بِهَا وَحَافِظَةٍ نِظَامَهَا وَمُمِدَّتِهَا، وَإِنَّ الْإِنْسَانَ هُوَ عَالَمٌ صَغِيرٌ مَفْعُولٌ عَنْ عَالَمٍ كَبِيرٍ، جَمَعَ عَلَىٰ صِغَرِهِ مُنَاسَبَاتٍ بِمَا فِي الْعَالَمِ الْأَكْبَرِ، وَعَلَىٰ صِغَرِهِ خِلْطًا مِنْ جَمِيعِ الْأَخْلَاطِ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ عَلَىٰ الْأَعْضَاءِ وَالْمَفَاصِلِ، وَلَيْسَ مِنْهُ عُضْوٌ وَلَا مَفْصَلٌ إِلَّا وَهُوَ يُفْصِحُ عَنْ شَخْصٍ مُفْتَرَضٍ عَلَيْهِ مَعْرِفَتُهُ، فَإِنْ كَانَ مَحْمُودًا حُكِمَ بِحَمْدِهِ وَطَاعَتِهِ، وَإِنْ كَانَ مَذْمُومًا حُكِمَ بِذَمِّهِ وَمُخَالَفَتِهِ، وَمَتَىٰ نَقَصَ الْإِنْسَانُ عُضْوٌ مِنْ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ أَوْ مَفْصَلًا مِنْ هَذِهِ الْمَفَاصِلِ كَانَ ذَلِكَ مِنْ عِلَّةٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ الشَّخْصِ مِنْ كُفْرِهِ بِهِ أَوْ جُحُودِهِ لَهُ "نَعُوذُ بِاللَّهِ" أَوْ مِنْ نَقْصِ مَعْرِفَةٍ"، أَقَالَنَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ.

الصفحة 77 من 261