ثُمَّ قَالَ: وَبِالْجُمْلَةِ، إِنَّ الْأَعْضَاءَ فُرُوعٌ تُنْبِئُ عَنْ أُصُولٍ، وَهُمْ غَيْرُ تِلْكَ الْأُصُولِ وَالْأُصُولُ غَيْرُهُمْ، وَالْمَثَلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ نُورَ الشَّمْسِ إِذَا امْتَدَّ إِلَىٰ الزُّجَاجِ النَّارِيِّ يُحْدِثُ نَارًا وَلَيْسَ فِي الزُّجَاجِ نَارٌ وَلَا فِي الشَّمْسِ أَيْضًا، وَلَا الشَّمْسُ حَلَّتْ فِي ذَلِكَ الزُّجَاجِ، وَكَذَلِكَ أَشْرَقَتِ الْعَنَاصِرُ الْكَوْنِيَّةُ مَعَ الْأَجْسَامِ الْبَشَرِيَّةِ، وَلَوْلَا امْتِدَادُهَا مِنْ مَعْدِنِهَا الَّذِي عَنْهُ انْطُبِعَتْ لَانْعَدَمَتْ وَلَمْ يُوجَدْ لَهَا اسْتِقَامَةٌ، كَمَا أَنَّ الْعَيْنَ بِدُونِ النُّورِ لَمْ تُبْصِرْ شَيْئًا مِنَ الْأُمُورِ وَإِنْ تَكُنْ سَلِيمَةً صَحِيحَةً مِنَ الْأَعْلَالِ وَالْأَمْرَاضِ، وَالشَّاهِدُ طَفْيُ السِّرَاجِ فِي اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ وَالدُّخُولُ إِلَىٰ الْمَكَانِ الْمُعْتِمِ.
قَالَ جَلَالُ الدِّينِ الصُّوفِيُّ بِكِتَابِ "تَقْوِيمِ الْأَسْمَاءِ": فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: "مَا هَذِهِ الْأَسْمَاءُ وَمَا خَاصَّتُهَا وَمَا الْفَائِدَةُ فِي ذِكْرِهَا؟"، قُلْنَا لَهُ: "هِيَ مِنَ الصُّورَةِ الْكُلِّيَّةِ بِمَثَابَةِ الْقُوَىٰ مِنَ الْأَعْضَاءِ وَالْجَوَارِحِ الْمُتَحَرِّكَةِ الْفَاعِلَةِ فِي الصُّورَةِ الْجُزْئِيَّةِ"، وَأَمَّا خَاصَّتُهَا: فَإِنَّ كُلَّ صُورَةٍ حَافِظَةٌ نِظَامَ جِنْسٍ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، وَالْمَخْلُوقَاتُ صُوَرٌ لِتِلْكَ الصُّورَةِ النَّاطِقَةِ عَنْهُ الْمُخْبِرَةِ بِهِ، وَمِنْهَا رُوحُ ذَلِكَ الْمَخْلُوقِ، فَأَبَانَ بِهَذَا أَنَّ جَمِيعَ الصُّوَرِ الْحِسِّيَّةِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْعِيَانِ الْمُشَاهَدَةِ فِي الزَّمَانِ صُوَرٌ لِتِلْكَ الصُّوَرِ الْعَقْلِيَّةِ.




